«الجماعة» بين محاربة الفساد ومحاربة الدولة

caricatures_1332275658

كثيراً ما سألت نفسى، وآخرين أيضا، لماذا لم تفتح «الجماعة» وقد أصبحت فى السلطة، أى من ملفات الفساد فى مصر؟ لقد ترك لنا الرئيس الأسبق (المخلوع) حسنى مبارك تركة هائلة من الفساد، تراكمت فوق رؤوسنا، بحيث أصبحنا نصطدم بفساد أينما سرنا.

كان بوسع الدكتور محمد مرسى، وقد أصبح مسئولا عن ملف الرئاسة فى الجماعة، أن يفتح (على سبيل المثال) ملف أراضى الدولة المنهوبة، وأموالها المسروقة فى صورة قروض بنكية، وكان بوسعه أن يقرر إنهاء عمل جيش المستشارين المتغلغلين فى مؤسسات الدولة، يحصلون على مئات الملايين من الجنيهات شهريا، بلا عمل حقيقى، وكان بوسعه أن يقرر تحديد الحدين الأقصى والأدنى للأجور.

هذه الإجراءات لم تكن تحتاج سوى قرارات إدارية مع حزم فى تطبيق القانون، لكن الجماعة بدلا من أن تفعل ذلك، اتجهت مباشرة إلى شن حرب (شاملة) على الدولة المصرية ذاتها، وبدلا من فتح ملفات الفساد (أو بعضها) التى ورثتها من الرئيس المخلوع، وما أكثرها، راحت تحارب القضاء والإعلام والجيش والأمن والثقافة، وصولا إلى الأحزاب والقوى والحركات السياسية، وقد باتت جميعها متهمة أنها بعض بقايا نظام مبارك (وكأن الفساد ليس من بقايا مبارك)، ثم ملايين المصريين الذين أصبحوا فجأة فلولا وبلطجية.

وكذلك دخلت الجماعة فى مواجهة مباشرة مع الدولة ومؤسساتها وهيئاتها، دون أن تحاول أولا كسب بعض التعاطف الشعبى، فكان يجب أن تخسر معركتها، وقد خسرتها بالفعل، ودون أن يعنى ذلك أن كسب بعض التعاطف الشعبى، كان من الممكن أن يضمن للجماعة الانتصار على الدولة، لكنه –ربما- كان كفيلا أن يؤجل خسارتها المدوية وسقوطها السريع.

يرى البعض أن مسلك الجماعة على هذا النحو إنما يعكس حماقة منقطعة النظير فى كيفية إدارة ملفاتها وترتيب أولوياتها، ويذهب آخرون إلى الاعتقاد أن هذا المسلك يبدو طبيعيا تماما مع جماعة وصلت إلى السلطة دون أن يكون لديها حد أدنى من الإلمام بمشاكل المجتمع وتصورات حول كيفية مواجهتها وحلها، بشهادة أن الجماعة، وبين أعضائها عدد كبير من أساتذة الجامعات فى اختصاصات مختلفة، ليس لديها بحث علمى واحد عن أى من مشاكل مصر، وبما يعنى أن الفشل فى إدارة الدولة، ومواجهة ما تعانيه من أزمات ومشاكل كان هو مصيرها الحتمى.

وعندى أن الأمر يتجاوز حدود الحماقة أو العجز، ليصل إلى فلسفة الجماعة ذاتها ورؤيتها لطبيعة الدولة منذ نشأتها وحتى الآن.

ظهرت جماعة الإخوان المسلمين، عام 1928، فى أعقاب سقوط دولة الخلافة العثمانية، ومنذ ذلك الحين تتحدث أدبيات الجماعة، وقد كتب معظمها مؤسسها حسن البنا، عن « الدولة الفاسدة » التى أسسها محمد على، ثم تأكد فسادها بدستور 1923 الليبرالى، وقد كان أحد أهم ثمار ثورة 1919، واستمرت فلسفة «الدولة الفاسدة» تمثل العمود الفقرى فى سياسة الجماعة، حتى أصبحت عند سيد قطب (ستينيات القرن الماضى)، دولة كافرة.

والفارق شاسع وجوهرى بين دولة تعانى من فساد انتشر وتغلغل فى مفاصلها ومكوناتها من جانب، ودولة هى بالأساس فاسدة وكافرة من جانب آخر.

وهكذا كان أن الجماعة عندما وصلت إلى الحكم راحت تضع فلسفتها قيد التطبيق، فأصبحت مهمتها الأساسية والآنية، ليست مواجهة «فساد فى دولة» لكن محاربة «دولة فاسدة»، وكذلك كان طبيعيا أن تواجه الجماعة كل مؤسسات ومكونات الدولة بما فيها الشعب نفسه، وقد اتهمته الجماعة (صراحة أو ضمنا) أنه أصبح أداة طيعة تحركه فلول نظام مبارك وبلطجيته، بينما كانت الجماعة هى من تصالح مع رجال أعمال مبارك، ورجال لجنة سياسات ولى عهده، ثم استعانت بوسائله وأدواته، من قرض الصندوق وحتى قمع المخالفين والتنكيل بهم، حيث أن «الضرورات تبيح المحظورات» وهدم الدولة الفاسدة، يبيح التعاون مع الشيطان أو مع رجال مبارك، وكأنى بالجماعة تطبق المثل العربى الشهير «رمتنى بدائها وانسلت» وترجمته العامية معروفة.

سقوط سلطة الإخوان السريع والمدوى لم يكن بسبب العجز عن حل مشاكل الناس، ولا التخبط فى إدارة شئون البلاد، لكنه بالأساس كان النتيجة المباشرة لمحاولات هدم «الدولة الفاسدة»، وفق فلسفتهم، ولذا وجدوا أنفسهم فى مواجهة ملايين المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع دفاعا عن دولة اقتربت من حالة التصدع تحت معاول السلطة الإخوانية.

فلسفة «الدولة الفاسدة» لا تحكم رؤية الإخوان وحدهم، لكنها تجمع بين دفتيها كل القوى والتيارات المسماة «إسلامية»، وجميعهم على أتم الاستعداد لإحالة شوارع مصر إلى بحور من دماء، والسقوط المدوى فى 30 يونيو لم يكون سقوطا للإخوان وحدهم لكن لكل هؤلاء الذين يحاربون «دولة فاسدة» باسم الدين، وإن لم نستوعب هذه الحقيقة جيدا، ونتعامل معها بما تفرضه من شروط، فربما نعود من جديد إلى المربع رقم واحد.

بقلم هاني عباد

التعليقات مغلقة.