المجتمع اليمني بين مطرقة الفساد السياسي والحزبي

1324754256 (1)

إن المرء ليحتار ويصاب بالدهشة والعجب من سوء ما وصلت إليه الأوضاع في بلادنا المنكوبة ببعض الزعامات والقيادات التي تأبى إلا أن يظل الوطن في دوامة مشكلات مستعصية وكأنه مقدور عليه ان يعيش حالة صدمات وانتكاسات مستمرة..
المتأمل والمتابع للشأن اليمني إجمالا يلحظ وبشكل جلي حالة الارتباك والتخبط التي تشهدها معظم مرافق ومؤسسات الدولة والعجز التام لحكومة فاشلة وغير على تسيير شؤون حياة الشعب اليمني بشكل اعتيادي، وكما هو معلوم فان هذا الفشل هو نتاج طبيعي لمفهوم التوافق الذي لم نجد فيه اي معنى او قيمة وطنية سوى التسمية المفرغة من محتواها وجوهرها ، وللأسف فقد اصبحت النخب التي كان يؤمل فيها ويعول عليها إحداث التغيير الحقيقي وقيادة البلد للخروج به الى بر الأمان ، اصبحت هي اس البلاء ورأس المشكلة ، ذلك ان هذه القيادات رمت خلف ظهرها ماضيها الثوري – القريب والزائف – بمجرد الوصول الى كراسي الحكم ، بالتلازم سلوكيات وتصرفات يغلب عليها طابع الانتشاء والغرور – خاصة ممن حالفهم الحظ ووقع الاختيار عليهم لتولي مناصب في العديد من أجهزة ومؤسسات الدولة – عقب تسليم السلطة سلميا بموجب المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية معتقدين ان تشكيل ملامح اليمن وتحديد مساراته المستقبلية أصبح حكرا عليهم دون الآخرين وهنا كانت الطامة فهؤلاء حتى اللحظة في وضع محلك سر لا يدرون ماذا يفعلون وما يشغلهم الآن هو ما الذي يجب عليهم أن يفعلوه لانفسهم لادراكهم حقيقة انتهاء المسرحية الهزلية التي كانوا ابرز ممثليها وافضت الى هذه النتيجة او النهاية السعيدة لهم والتي لم يتوقعوها، وحتى الآن لا يوجد ما يمكن تسميته منجز حقيقي لهؤلاء وليس بخاف على احد الأوضاع السيئة والرديئة التي يعيشها الوطن والمواطن يوميا ، اما الحديث عن انعدام القيم والضمائر الوطنية الحية فذاك شأن آخر .
ففي الشأن السياسي ما تزال الضبابية والغموض في إدارة الواقع السياسي والحزبي هي الحالة الأبرز والأعم ، اذ ما زالت الأولوية للمصالح والمنافع الشخصية والحزبية وبشكل مفضوح وعلني وبدون خجل او حياء فالكل – عدا القلة من الشرفاء – يلهث وراء مصالحه متجاهلا مصالح العامة ممن وضعوا ثقتهم فيه .
الفوضى والعبث بمقدرات الأمة أصبحت السمة الرئيسية للواقع المعاش وأمرا يوميا اعتياديا ،ففي ظل سياسة التقاسم والمحاصصة الحزبية والسياسية استشرى الفساد ونهب المال العام بشكل مريع ،، اما الوظيفة العامة فقد صارت وسيلة من وسائل الضغط والابتزاز علاوة على كونها وسيلة من وسائل الثأر والانتقام من اعداء وهميين لا ناقة لهم ولا جمل فيما حدث ويحدث اللهم إلا كونهم صنفوا اعتباطا بالفلول أو البقايا وقد اتخذ هذا الأسلوب مسارين متوازيين:
الأول : تصفية الكوادر الكفؤة والمؤهلة وذات الخبرة الطويلة في إدارة مرافق ومؤسسات الدولة لا لشيء سوى أنهم – في ذهنية الأطراف المنتصرة – من كوادر النظام السابق ولو لم يكن لهم أي علاقة بالنظام السابق من جهة الارتباط السياسي أو الحزبي أو الأيديولوجي أو المصالح الشخصية .
أما الثاني: فيتمثل في إحلال كوادر غير مؤهلة وعديمة الخبرة اعتمادا على القرابة والعلاقات الشخصية أو من ذوي التوجهات الفكرية والعقائدية والحزبية الواحدة وكنوع من اغراق الجهاز الإداري والوظيفي للدولة بكادر حزبي تعتقد بعض الأطراف أنها بذلك تؤسس لمرحلة قادمة يكون معيار الولاء السياسي والحزبي هو الأهم في الحصول على الوظيفة العامة وهذه ظاهرة فريدة …ابتكار واختراع يحمل علامة حصرية على اليمن ، وفي هذا السياق يلاحظ السباق المحموم على الوظيفة العامة بين مختلف الأطراف.. والإشكالية هنا ان حزب واحد فقط هو من يستأثر بنصيب الأسد في إحداث هذه الفوضى ، والملفت في الأمر هو فجاجة بعض المسؤولين المتأرجحين بين هذا الطرف او ذاك وممن قفزوا من السفينة عندما بدأت تميل على جانبها وكانوا من قبل من اشد المناصرين والمؤيدين للنظام السابق،، هؤلاء الناجون بأنفسهم اتجهوا نحو من استشعروا فيه القوة وضمان المستقبل لذا نجدهم اليوم من ألد الخصوم يريدون بإظهار وممارسة حالة العداء الشديدة للآخر إثبات ولائهم ومصداقيتهم بعد افتضاح امرهم وظهورهم على حقيقتهم وبالتالي فهم يمارسون ابشع انواع السياسات التنكيلية والاقصائية تجاه الآخرين حتى ولو كانوا سابقا معهم في خندق واحد.
مأساة هذا البلد تتمثل في سادية البعض وممارساتهم اسوأ أشكال الحقد والكراهية والرغبة الجامحة في الانتقام حتى بدون سبب وبدون ان يكون بين المنتقم والمنتقم منه أي معرفة أو علاقة شخصية أو حتى معلومات متداولة عن فساد هذا الرجل أو سؤ أخلاقياته او مواقف متعصبة له ضد هذا او ذاك ، والمعيار الوحيد لتصنيف الآخر هو انه محسوب على طرف ما وهذه تهمة يستحق صاحبها ما يلحق به من أذى، وهنا يبرز الوجه القبيح لممارسة السياسة في بلادنا تلك السياسات المتخلفة التي جعلتنا في ادنى درجات السلم بين الأمم والشعوب والأكثر تخلفا في إدارة شؤوننا بحكمة وإنسانية مطلقة فنحن في حالة عداء دائم ومستمر مع بعضنا البعض وها نحن بفضل البعض من البلاهاء في حكومتنا الرشيدة نتصدر المرتبة السادسة للدول الاكثر فشلا في العالم..
الشعب اليمني من اصبر شعوب الأرض قاطبة على المكاره والمحن والنوازل ،هاهو صابرا متحملا بجلد وحكمة عبث قلة من المسؤولين المفروضين عليه فرضا ممن يمكن وصفهم بالكوارث والآفات مصاصي دمائه وثرواته، هؤلاء المدعين النزاهة والاستقامة ، المتبجحين بمثل وأخلاقيات وطنية محصورة فيهم ، المتظاهرين بالحرص على الشعب ورعاية مصالحه والسهر على حياته وأمنه واستقراره وانتشاله من أوضاعه المأساوية وهم ابعد ما يكونوا عن تلك المثل والأخلاقيات …. فلسفتهم في الحياة \” غدا بظهر الغيب واليوم لي \” لذا نجد كل منهم يجاهد وينافح ويكافح ليل نهار لنهب ما يستطيع نهبه تأمينا لمستقبله ومستقبل أولاده ولأنها فترة وفاقية محدودة ربما لا تتعدى السنتين نجد حالة من الهيستيريا والجنون في التسابق على نهب المال العام وأتحدى من يقول بغير ذلك ..
وهانحن ننتظر عدالة السماء فيهم ، أما عدالة الأرض فيبد أنها لن تطالهم لان ذكائهم في مغالطتها اكبر من ذكائنا نحن أبناء هذا البلد المصاب بمثل هؤلاء العاهات.
ختاما أقول لمسؤولينا وساساتنا وقادة احزابنا ذات الثقل في الشارع …. اتقوا غضبة الحليم اذا غضب …. لن يرحم التاريخ مثل هؤلاء المتنطعين .. واجزم بان احد لن يتذكر أي من هؤلاء بخير ، وستلاحقهم لعنات الشعب في حياتهم وبعد مماتهم.

بقلم   محمد فؤاد الصبري

المصدر  وفاق برس

التعليقات مغلقة.