معادلة الفساد والصحافة والربيع العربى

articles_image120120305133939cT8o

بقلم : منصور الدرناوى

الشباب العربى الواعى من حقه أن يتطلع إلى مستقبل أحسن . لكن ماذا يفعل عندما يجد نفسه محاطا بالفقر والبطالة ونقص الرعاية الصحية والتطويرية والفساد السياسى والمالى المستفحل … ماذا يفعل ؟ خاصة إذا كان يعيش فى بلد نصفها من الشباب . بلد غنى واسع الثروة . لكنها ثروة محرمة عليه . إذ يرى قياداته تركب المرسيدس ، تسكن الفيلات العالية ، تصيف فى فرنسا ، وتهرب الملايين إلى الخارج . ماذا يفعل ؟ ولمن يشتكى هذا الظلم المؤلم ؟

ـ يشتكى إلى القيادة . ( وزير الرياضة والشباب ! ) . وإلى الصحافة . ثم ـ إلى أقرب صديق له .

فماذا يجد من إجابات شافية يا ترى ؟ إجابات وافية حاسمة ؟

المحطة 1

فى مكتب الوزير : يقول له سكرتير المكتب : موضوعك عند مدير التشغيل .

يذهب إليه ، يعبىء نموذجا باردا باهتا رقمه 6675 يضمه إلى جيش العاطلين لينتظر دوره رقم 6675 . فيدرك اللعبة مبكرا ، فيهرب إلى شاطىء البحر ليروح عن قلبه المغصور .

المحطة 2

تحوله سكرتيرة التحرير إلى صفحة ” صرخة مواطن ” فيستبشر قليلا . يقابله المحرر ويستمع إليه بشىء من الضيق ، فهو الزائر رقم 61 هذا اليوم . لكنه لابد أن يجامله :

” أنت مواطن حر ، تعيش فى بلد ديموقراطى لا يتجاهل حاجات شعبه خاصة الشباب .

من فضلك أجلس هنا وعبىء هذا النموذج واكتب ما تريد عن كل ظروفك الشخصية ، والعائلية ـ وماهو العمل الذى تبحث عنه. تفضل .

يجد النموذج قريبا جدا من النموذج الأول . يطويه على أربع ، ويضعه فى جيبه :

” إسمحلى سيدى المحرر ، أفضل أن أعبأه فى البيت ، على مهل ، وآتيك به غدا”.

لكنه لا يقصد هذا أبدا . بل يدرك اللعبة ويتجه إلى بيت صديقه وجاره محمود . فهو أكثر منه تعليما وخبرة وظيفية رغم أنه عاطل عن العمل منذ 6 شهور .

المحطة 3

محمود : يفتح باب البيت ويحتضنه بحرارة غير عادية . يمسك بيده حتى يجلسه على الحصيرة المستهلكة . ” أنا سعيد جدا هذا اليوم يا صديقى . فقد وجد لى إبن عمى حتروش عملا براتب طيب مع السكن والأكل فى منطقة زراعية قريبة من باريس .”

هذه المرة يسمع كل تفاصيل القصة . بشوق عميق . ثم يرجو صديقه أن يجد له عملا ما هناك لعله ينقذه من هذا البلد البائس . فيعده خيرا . فينسى آلام يومه كلها .

أتعرفون هذا البلد البائس ، الفاحش الثراء ، الفاحش الفساد ؟ إنه الجزائر !!

مالذى يجعل بلدا غنيا كهذا بائسا هكذا ؟

سألت صحفيا جزائريا مطلعا ، متعلما ، لا يخاف رجال الأمن السريين . لأنه مقيم فى فرنسا ! فكان رده كاملا ، مختصرا ، دقيقا ، وعامرا بالأدلة القاطعة . فلم أقاطعه ، ولو مرة واحدة :

” مصائب الوطن الجزائر محددة ، معروفة ، مؤلمة :

ـ مجموعة عسكرية صغيرة حاكمة مستبدة ، كبيرة فى السن ، متشبثة بالسلطة .

ـ جيش كبير مدرب ذو امتيازات وإكراميات مقنعة .

ـ ذكرى الحرب الأهلية التى راح ضحيتها أكثر من 100 ألف مواطن .

ـ التنمية الغير عادلة أو المتكافئة .

ـ نسبة البطالة العالية خاصة بين الشباب .

ـ الفقر المشين الحارق للنفس الكريمة ، مع الغنى الفاحش الموسع للهوة بين الغنى والفقير.

ـ الفساد المالى المتسع المكشوف ، الذى تحميه السلطة . والمحسوبية والوساطة .

ـ الحرمان من الحياة السياسية الديموقراطية بأساليب ثعلبية ماكرة متعمدة تستهين بالذكاء.

ـ التعدى على أبسط وأهم حقوق الانسان .

ـ الادارة التقليدية المتحجرة وسوء التخطيط والاصرار على تكرار الأساليب الفاشلة. “

إذن : إلى أين المفر ؟

يرى كثير من المفكرين العرب أن الصحافة وهيئات المجتمع المدنى هى السبيل إلى الخلاص .

لا أعتقد . فهذه كلها وليدة الأنظمة الدكتاتورية ولا تستطيع إلا التظاهر بلعب دور السلطة الرابعة بينما هى جزء من السلطة القائمة المتسلطة الفوقية .

لكن مهلا . كيف هذا ؟ أقول لكم ” كيف” :

توضح الكاتبة المصرية عواطف عبد الرحمن أهم جانب عجيب فى هذا الحوار:

” فى بداية الثورة عجز الإعلام الحكومى عن إدراك خطورة الحدث فاقتصر خطابه على التغطية المبتورة والمرتبكة والمشوهة . فقد إنتزعت الثورة من الإعلاميين البوصلة الأمنية والسياسية التى كانت تدير أمورهم . لأنهم تعودوا على تلقى الأوامر ولم يمارسوا حرية الفكر أو الألتزام المهنى .”

ثم نصادف رأيا آخر أكثر ذكاءا ونفاذا .

” سيسجل التاريخ أن الصحافة السعودية كانت ثابتة وراسخة فى وقوفها ضد إنعكاسات الربيع العربى على السعوديين … فبينما كانت الأحداث تتلاحق والثورتان المصرية والتونسية تقدمان درسا عمليا مفتوحا لما يمكن أن يكون عليه سلوك الشارع السعودى ، والوعى العام يلتقط الرسائل وينتبه أكثر فأكثر إلى قيمة الارادة الشعبية ومصادر شرعية السلطة ، كانت الصحافة السعودية تخدم فى البلاط بكل ما أوتيت من قوة . محولة ذاتها فى كل موقف إلى جبهة للدفاع عن القيم السياسية الأشد تخلفا واستبدادية ، منذ اللحظة الباهرة لسقوط بن على ، وحتى اللحظة الأكثر إبهارا لمحاكمة مبارك .” إيمان القويفلى : www.almqaal.com

لكن هذه الوسيلة التقليدية لم تحتكر كل المشهد العربى . فقد كان هناك وسيلة ثورية قلبت بعض المعايير التى كنا نظنها راسخة . تقول د ـ هند مفتاح :

” ماذا فعل بنا جهاز “البلاكبيرى ـ والآيفون ـ وفيس بوك ـ وتويتر ؟ لقد اختصروا المسافة بين الحقيقة والكذب … والخطوط الحمراء للنشر ، ونقاط التفتيش والتدقيق . وثقوا الحدث صورة تلو الصورة . أصبحوا بمثابة حلقة التواصل بين المقهورين والمناضلين للتغيير الإيجابى لمجتمعاتهم . نقلوا لنا أجمل عبارات الربيع العربى:الشعب يريد إسقاط النظام . إرحل . حتى رحل من رحل ، وسيرحل من يكابر … متى أذن الله بذلك.”.

لكن ، يسأل العاقل :

كيف استطاعت الدكتاتوريات العربية التكيف مع هذه التيارات الجارفة ؟ تعالوا نستكشف :

أمضى الكاتب والصحفى والمحلل السياسى الأمريكى ويليام دوبسون أكثر من عامين فى دراسة الأساليب المبتكرة التى لجأ إليها الحكام الدكتاتوريون للبقاء فى الحكم … ودرس التكتيكات الجديدة التى لجأ إليها الناشطون السياسيون فى سعيهم للتحول الديموقراطى والانتصار على مراوغات الحكام المستبدين . يقول عن الحكام :

ـ استخدموا الانتخابات المزيفة للإقناع بوجود تحول ديموقراطى . لكنهم تخلوا عن الاستناد إلى نسبة 99% والاكتفاء بنسبة 70% . وحرموا المعارضة من الفوز بنسب عالية من الأصوات. وتحكموا فى وسائل الإعلام مع السماح بقدر محدد من حرية التعبير ، بغرض التنفيس عن الغضب والإحباط . وتحكموا فى صياغة القوانين بشكل يناسب توجهاتهم واستهداف من يروه خطرا عليه . أى أنهم استخدموا المظاهر الديموقراطية وكأنها إصلاحية.”

إذن : الدكتاتورية لن تتأثر بالصحافة المعبرة عن صوت الناس . الصحافة لن تتغير بسرعة كافية لتصور إرادة الأمة بفاعلية مؤثرة . فيبقى من المعادلة أهم طرف : الشعب . فهل إستوعب رسالة الربيع العربى بما تحمله من دلالات محفزة . مستبشرة. واعدة. لكنها مكلفة ؟!

التعليقات مغلقة.