الحرية والاعتقال والفساد والهجرة، قضايا أساسية أثارتها رواية اللحاف لأيمن ناصر

Untitled.jpgاللحاف

لطريق النزاهة

الدكتور شذى ظافر الجندي

لم تلق رواية (اللحاف) لأيمن ناصر التحليل الكافي وخاصة في القضايا الأساسية التي طرحتها، حيث ركز النقاد على اجتزاء بعض المقاطع من الرواية وسلخها عن سياقها، وتأويلها. عدد كبير منهم ركز على قضايا لا تتجاوز الصفحتين من أصل الرواية، وتجاهل معظمهم العديد من القضايا السياسية الهامة والرئيسية التي تناولتها والتي تستحق التعمق بدراستها وتحليلها.

في زمن القمع والاستبداد التي كتبت به الرواية، والذي كان يخيم على كثير من الأمور، تكون حرية الكاتب مقيده وعليه أن يكتب في بيئة خانقة، ويحاول من خلال الكتابة أن يفتح النافذة ولو قليلا ليرى ضوءاً لابد منه للكشف عن جراح وطن يلهث من الألم.

عندما كتب أيمن روايته، في ذاك الزمن المستبد كتب بدون خوف، وحكى قصصا حقيقية جريئة، كتب في زمن كان الشعب السوري يعيش ثقافة الصمت، وثقافة دفن الرؤوس في الرمال، لكن النخبة كما أيمن، ممن يلجؤون للكلام بحرية في زمن الصمت، كتب رواية (اللحاف) لتمثل دعوة مبكرة للحرية، حيث أثار مواضيع مهمة سياسية واجتماعية لم يجرؤ عدد كبير من الكتاب أن يتحدثوا عنها، هو من هؤلاء الأشخاص الذين نسميهم (دعاة الحرية والتغيير) الذي تجرأ على مناقشة أمور تعد (تابو اجتماعي وسياسي) في وطننا.

تحمل الرواية قضايا سياسية متعددة، فالكاتب يثير مسألة الهجرة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، حيث باتت الهجرة حلما كبيرا يراود الشباب الذي أقفلت بوجهه أبواب العمل في بلده وشدت على خناقه وعائلته الأوضاع الاقتصادية الصعبة. لا يدخل الكاتب في تحليل الأسباب التي أدت الى هجرته للعمل في اليمن بشكل واضح وصريح ولكن المعنى واضح عندما يقول : (نعم هو يغتال فينا الانسان، ويلفظنا كنفايات خارج حدوده(

إن الهجرة هي نتيجة تفاعل عدة عناصر ومسببات وعلى رأسها الأوضاع الأمنية والسياسية. والأسباب التي تدفع شبابنا إلى الهجرة تبدأ من عدم توفر فرص العمل في الوطن لتصل إلى سوء الظروف الأمنية والسياسية وفقدان عوامل الاستقرار بشكل عام.

كلها قضايا يحاول الكاتب إثارتها خلال الحوار، حيث اعتمد الكاتب على جملة من المواقف والأحداث لأشخاص أجبرتهم ظروف الحياة المعيشية على الاغتراب عن أوطانهم، ويطرح قضايا وقصصا ومشاعر وبطريقة واقعية وخيالية بنفس الوقت، علاقة الوطن وأبنائه والغربة وما تتركه في القلوب من جروح (ليقذفوا وراء الشمس بحثاً عن لقمة عيش مغمسة بذل الغربة تاركين وراءهم أكواماً من اللحم تنتظرهم). رغم كل هذا فحبه لوطنه الذي دفعه للغربة وهو صغير، لم يتمكن من دفعه للهجرة مرة اخرى، على العكس فقد ازداد حبه وتمسكه بوطنه حين قال ( جمار القلب يا ولدي ما جئت لأقيم هنا، سفني ما عادت تحملني الى أرض غير أرضي(

ربما لم يتحدث الكاتب بصراحة عن الوضع السياسي في تلك الفترة نتيحة للأوضاع الأمنية ولكننا نقرأ بين السطور عبارات وإيحاءات تركز على الفكر الشمولي وتنتقد النظام القمعي والسياسات الأمنية وسياسات الاعتقال التي تركز على اعتقال المعارضين السياسيين، وتلفيق التهم السياسية لهم، وزجهم في السجون والمعتقلات بتهم كاذبة مفبركة. حيث يذكر بدقة حادثة اعتقال والده من قبل المخابرات (اقتحموا المكان ودخلوا غرفة والدي، قيدوا يديه الى الخلف، منعوه من الكلام ثم اقتادوه الى سيارة لاندروفر …كانوا أربعة أبقوا أحدهم مع أبي في السيارة وعاد الثلاثة يمزقون الأثاث ويحطمون كل ما يقع تحت أيديهم).

ونجد الكاتب متأثراً بالوضع السياسي في سورية منذ طفولته وخاصة أساليب القمع والاعتقال حيث كان لتأثير حادثة اعتقال والده ابعاد كثيرة تركت تأثيرا في نفسه ( كنت صغيرا أمام الألم العظيم الذي ألحقه أولئك السفلة بعائلتي، خرجوا يضحكون كأنهم أعادوا للوطن أرضا سلبها العدو) (لا كبير عندهم الا البعير). ويتحدث بألم عن والدته وكيف تعامل معها رجال الأمن (وهوى بعقب مسدسه على جبينها فسقطت مغشيا عليها) ولا ينسى كيف ضربوه وهو يحاول الدفاع عنها (ركلت المخبر على ساقه فلطمني بقفا يده على وجهي….. اللطمة شقت لي شفتي العليا وكسرت لي سنا. كان اللهب يتأجج في صدري. وأنا أرى أمي تنهض وقد آذاها الكلب في جبينها. كانت تنزف وعيناها تدمعان) هذا هو حال الاعتقال التعسفي الذي عاشه شعبنا، ولم يكن ما وصفه أيمن سوى نموذج بسيط عن تعرض شبابنا للاعتقال والظلم.

يتحدث عن تجربة والده في العمل السياسي في سورية من خلال حزب من أحزاب الجبهة، هذه الأحزاب التي تحولت الى مؤسسات متخشبة لا تملك إلا عددا محدودا من الكوادر الهرمة، ومفتقدة لأي رصيد في الشارع السياسي، خاصة بعد الحالات المتعددة من الانقسام في صفوفها، والتي لم تأتِ، إلا فيما ندر، استناداً لأسباب فكرية سياسية، بل كانت في غالبيتها وليدة أسباب نفعية وانتهازية، هذا كله أدى لفقدانها معايير الصدقية، وتشويه الممارسة السياسية الحزبية، والإساءة للحركة السياسية الوطنية، مما ساهم في انفضاض الناس عن العمل السياسي (ها هو أبي بعد عشرين عاما من النضال الوهمي والركض المضني يدرك متأخرا أنه كان يركض وراء سراب. بعد ان اعتقل مرات عديدة واكتشف خيانات بعض أصدقائه وتعاملهم مع السلطة كمرشدين ومخبرين).

لقد لمّح المؤلف، في روايته الى ظاهرتي الانتهازية والفساد التين طفتا على سطح الحياة العربية، نقد المسؤولين السلطويين ورجال العشيرة الذين يحتلون المناصب الحساسة والفساد الذي يعيشه هؤلاء من أجل الوصول إلى منصب أو وظيفة .. تحدث عن العصبية القبلية وبعض الظواهر المرتبطة بها، وعن العادات والتقاليد القديمة التي عانت منها المرأة في المجتمع. ووصف الوصوليين والمنبطحين والفاسدين في سورية (كائنات هاربة من قدرها إلى أقدار مرسومة على مقاس حظها العاثر أخذت تدب في المدينة على أربع، تنبطح وتزحف تقدم القاصي والداني من الدم، والنافر والغائر من الجسد كرمال عيون المنصب والهيلمان الكاذب)

يحاول أيمن في روايته اللحاف أن يخرج عن المألوف، و النزوع نحو حياة جديدة في زمن كان المطلوب من الأدباء والشعراء والفنانين تمجيد مغامرة الشمولية والحزب الواحد الذي يمد النظام بمقومات وجوده واستمراريته.

رغم القضايا السياسية التي طرحتها الرواية فهي تسرد قصص حول (المرأة والجنس والموت) حيث طرح أيمن قضايا عديدة تحت رمز (اللحاف) لحاف عقله الباطن، ولحاف العتمة والسكون، وخصوصية اللحاف التي (تتعلق باقترابه الحميم والمباشر من أحلامنا والتصاقه الدائم خلال النوم بأجسادنا) يتحدث عن اللحاف والاختباء تحته خوفا او هربا أو خجلا، وعن الدفء والحب ( يغطي كل النساء اللواتي يختبئن معك ويعبثن بدماغك وأحلامك غير المباحة. هزائمك وانتصاراتك) انه يتحدث عن لحاف سياسي مفقود ..

إنه يرسم بالكلمات في أسلوب روائي تشكيلي.. يرسم صوراً من مجتمعنا حقيقية ولكن عدداً كبيراً منا يرفض الاعتراف بها ويخاف أن يتحدث عنها. ولهذا كانت من أكثر الروايات التي شغلت الأوساط الثقافية، وتناولتها الصحف والمجلات وجلسات المثقفين بالنقد والتحليل … نعم لقد استطاعت الرواية أن تحدث جدلا …وهذا ضروري لإثارة الوعي والتفكير .. فالكاتب في الرواية حلق في آفاق واسعة وسماء ممتدة ليس لها حدود.. لقد أثارت الرواية فعلا استفزازيا تحريضيا، وأثارت ضجة في الساحة الأدبية لأن صاحبها حسب بعض النقاد تجاوز قيودا وضعها المجتمع والدولة الأمنية.

ما كتبه أيمن ليس مجرد رواية .. إنها رؤية تشكيلية جديدة تحول السرد المكتوب والمحكي إلي مشاهد لونية متداخلة … وتبقى اللغة الشعرية سمة مميزة لسرديتها. إن ما كتبه أيمن هو أساساً كتابة باللون والخط ولغة التعبير والموسيقى، وكل ما يثير الفنان في محيطه اليومي يحوله إلى عمل فني إبداعي، إنها عمليه فنية متكاملة تجمع الفن والأدب والتاريخ والنقد والسياسة .. نعم هي عمل إبداعي بامتياز .. إنها مزيج من الابتكار والحقيقة …..

اترك تعليقا