المؤشرات الضرورية لوجود الإصلاح الإداري

بليغ

طريق النزاهة

الطالب الباحث بشير بليغ

اشراف الدكتور محمد يحيا

 

نحن نحتاج إلى إصلاح الجهاز الحكومي إذا تبين لنا وجود مجموعة من المؤشرات السلبية الجهاز الحكومي منها العلاقة بين الإدارة والمواطن وتنظيم العمل والوسائل المستخدمة فيه (الفقرة الأولى).وتزايد أعداد ونوعيات العناصر غير المناسبة ووجود عجز واضح في الموازنة العامة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مؤشر العلامة بين الإدارة والمواطن وتنظيم العمل والوسائل المستخدمة فيه

إن المؤشرات الأولوية التي تؤكد أهمية وجود إصلاح إداري وتنمية إدارية، مؤشر العلاقة بين الإدارة والمواطن (أولا)، ومؤشر تنظيم العمل والوسائل المستخدمة فيه (ثانيا).

أولا: مؤشر العلاقة بين الإدارة والمواطن

تختلف الإدارة العامة عن إدارة الأعمال بأنها معينة أكثر برضي المواطنين عموما، فهي لا تسعى للربح بل لتقديم الخدمات العامة بجودة عالية، وبطريقة مرضية للمواطنين، ولذلك فإن من بين الأساليب المتبعة لتقييم أداء الأجهزة الإدارية هي الاستبيانات التي يتم توزيعها على المستفيدين من خدمات هذه الأجهزة[1].

إن العديد من الانتقادات الموجهة للإدارة غالبا ما تكون مصدرها انكماش الإدارة على نفسها وعجزها عن التواصل مع محيطها والإنصات لانشغالات المتعاملين معها.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى استفحال ظواهر سلبية تتمثل على الخصوص في اللامبالاة إزاء مصالح المواطنين وسوء استقبالهم وإرشادهم[2].

ومن هذا المنطلق فإن بعض المؤشرات التي تدل على نوع من الخلل في العلاقة بين الإدارة والمواطن ما يلي:

1- البطء في تقديم الخدمات وعدم تحديد مدة زمنية لإنجاز المعاملات.

2- تعدد الإجراءات وطول المسالك التي تمر فيها القرارات الإدارية وذلك بسبب تعدد الجهات اللازمة التي تمر المعاملات فيها.

3- غياب موظفي استقبال واستعلامات في الإدارات الحكومية والوزارات.

4- عدم الاهتمام بالعرائض والشكاوى التي يبديها المواطنون ووسائل الإعلام تجاه الأجهزة الإدارية وتجاه تصرفات بعض العاملين فيها.

ثانيا: تنظيم العمل والوسائل المستخدمة فيه

اتساقا مع الاتجاهات المعاصرة للإصلاح الإداري وحتمية الإدارية فإن تنظيم العمل والوسائل المستخدمة فيه تمثل عنصرا مهما من عناصر الإصلاح الإداري.

وتتمثل المظاهر السلبية المتصلة بتنظيم العمل بعدة أمور منها[3]:

1- المركزية الشديدة في اتخاذ القرارات وتعدد المستويات الإدارية[4].

فكثيرا ما يلاحظ الموطنون الذين يترددون على الأجهزة الإدارية أن معظم القرارات سواء البسيطة أو الإستراتيجية منها لابد وأن تمر على قمة الهرم الإداري أو المستوى الإداري الأول.

وهذا يعطي عند المواطنين انطباعا بأن هناك بذخا وترفا في الدوائر الحكومية، وفي الوقت الذي لا يرى فيه المواطن ثمرة إيجابية لكثرة تعدد المستويات، بل يرى فيها سببا للتأخير في انجاز المعاملات وتعقيد إجراءاتها.

2- عدم وجود أدلة ترشد الموظفين حول الأمور التي تختص بها الدوائر الحكومية.

3- التداخل والازدواجية في عمل عديد من الأجهزة:

يتمثل التداخل بوجود أكثر من جهاز حكومي يعمل في نفس المجال، مما يعطي انطباعا لدى المواطنين بأن إنشاء هذه الأجهزة يتم لغايات وأهداف خاصة وليس لخدمة المواطنين وأنه كان من الأفضل لو تم حصر هذه الجهات المتعددة في جهة واحدة[5].

4- عدم الاهتمام الكافي بأمور التوثيق والسجلات:

ويفاجأ المواطن أحيانا لدى مراجعته لدائرة حكومية لانجاز معاملة ما أن كثيرا من سجلات ذات الأهمية بالنسبة له غير منظمة ومهملة أو مفقودة.

ويولد ذلك شعور لدى المواطن بالسخط والإحباط، ومن الأمثلة على ذلك ما قد يكون عليه حال دوائر الأحوال المدنية والجوازات، ودوائر تسجيل العقارات والأملاك، ودوائر الضريبية والجمارك… الخ.

الفقرة الثانية: تزايد أعداد ونوعيات العناصر البشرية غير المناسبة ووجود عجز واضح في الموازنة العامة

من أهم المؤشرات السلبية والضرورية التي تستوجب إعادة النظر في أصلاح الإدارة العامة وتحقيق تنمية إدارية تزايد أعداد ونوعيات العناصر البشرية غير المناسبة (أولا)، ووجود عجز واضح في الموازنة العامة للدولة (ثانيا).

أولا: تزايد أعداد ونوعيات العناصر البشرية غير المناسبة[6]

إن أحد المظاهر السلبية في الأجهزة الحكومية الأعداد الكبيرة من الموظفين الموجودين في المكاتب، دون أن يكونوا عاكفين على العمل، بل منشغلين في أمور خاصة، كقراءة الصحف، شرب الشاي، إجراء اتصالات هاتفية خاصة، أو مجاملات فيما بينهم.

ويضاف إلى ذلك قد لا تتوفر في بعض الموظفين القدرة المطلوبة والكفاءة في انجاز المعاملات وقد يكون سببها ذاتية أو تنظيمية، وبالتالي يؤثر على كفاءة وسمعة الجهاز ككل، بل على سمعة كافة الأجهزة الحكومية.

ثانيا: وجود عجز واضح في الموازنة العامة للدولة

يتصل هذا العامل بالندرة المتزايدة للموارد المالية العامة، وزيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين والعاملين في الأجهزة الإدارية على حد سواء[7].

ويعد عجز الموازنة العامة للدولة من أهم المؤشرات التي يقاس بها الأداء المالي للدولة، وكلما استطعنا تخفيض هذا العجز إلى أقصى الحدود الممكنة كلما كان ذلك توجيها نحو المسار الصحيح لإصلاح المالية العامة للدولة.

إن تنمية الموارد العامة للدولة يعد العنصر الحاكم المكمل لعنصر ترشيد وضبط لإنفاق العام في منظومة السيطرة على عجز الموازنة العامة للدولة.

ولعل الديون الخارجية التي تتحملها دول كثيرة ذات أثر كبير على سياسات الإصلاح الإداري والاقتصادي في كثير من الدول النامية، فقد أصبحت الديون الدولية المتمثلة في القروض، وحتى الاستثمارات الخاصة مشروطة بقيام المدنية أو الراغبة في دخول الاستثمارات الأجنبية إليها، بإحداث صلاحيات إدارية واقتصادية كثيرة، تتناول الأنظمة الإدارية والتشريعات الضريبية وأسواق رأس المال، وحرية انتقال العملات ورؤوس الأموال[8].

لذا فإن البحث عن وسائل لترشيد الإنفاق العام، وكيفية الاستخدام الأمثل للمال العام، والعمل على تحقيق الفائض واستخدامه في مشاريع تنموية من خلال تحسين آليات العمل، وزيادة كفاءة العاملين، والحد من تضخم الأجهزة الحكومية والبحث عن وسائل تمكن الاقتصاديات الوطنية من البقاء والتطوير من أهم واجبات وأولويات التنمية الإدارية[9].


[1] – ويعتبر إحداث خطة الموفق الإداري الذي يقوم بالتوسط بين الإدارة والمواطنين لتسهيل الحلول للمسائل التي لم تجد حلا بالطرق المعتادة، وإحداث خطة المواطن الرقيب الذي يقوم بزيارات ميدانية إلى مختلف فروع الجهاز الحكومي لطلب خدمة كسائر المواطنين وتقديم تقرير سري بذلك إلى الجهات المعنية بالوزارة، لتتخذ بموجبه الإجراءات الضرورية لتحسين نظام العمل بالإضافة إلى إجراءات جزائية سلبية أو إيجابية بحق مستحقيها  من أهم إجراءات تحسين علاقة الإدارة بالمواطن وهو ما قامت به الحكومة التونسية لإصلاح الإدارة العامة.

[2] – راجع ميثاق حسن التدبير: المنطلقات الأساسية للميثاق.

  – عبد الحق عقله: “دراسات في علم التدبير ، مدخل للتدبير العمومية”، الطبعة الأولى 2006- 2007، ص 214.

[3] – محمد الصيرفي، مرجع سابق، ص 77.

[4] – إن تعدد المستويات الإدارية بسبب كبر الحجم، قد خلق صعوبات في الاتصالات وفي ضبط الأجهزة الإدارية بحيث أصبح من الضروري للحكومات المركزية أن تفوض بعض صلاحياتها للمنظمات الميدانية، وان تعيد تنظيم خدماتها العامة على أسس جغرافية وظيفية.

[5] – وكأحد الأمثلة الدالة على أهمية توافق (تنظيم الهيكل الوزاري) مع السياسات التنموية، ما أخذت به اليابان في وقت تجربتها التنموية المعاصرة من دمج التجارة مع الصناعة في وزارة واحدة التجارة والصناعة، وتدل النتائج بوضوح تواكد  إلى أن هذا التكامل التنظيمي مكن تحقيق تنسيق أوثق بين السياسات الصناعية والتجارية لخدمة تنموية تعتمد أساسا على كسب وتنمية حصة اليابان في الأسواق العالمية للمنتجات المصنعة.

[6] – إن التغير المفاجأ والتطورات غير المتوقعة، تظل سمة الاقتصاد والإدارة في وقتنا الحالي وعليه فالمدير الناجح والموارد البشرية الإستراتيجية هي التي تتأقلم مع الأوضاع الجديدة وتثابر على تحسين ظروف العمل والإبقاء على معدل مرتفع من الإنتاجية والمر دودية.

      – للمزيد من الإطلاع حول العنصر البشري في التدبير الحديث: راجع عبد الحق عقله: “دراسات في علم التدبير”، الجزء الثاني، الطبعة 2006- 2007، ص 157.

[7] – وقد ساهم في ذلك عدة عوامل فرعية منها: التضخم في الأسعار، انخفاض قيمة النقد، وتزايد المنافسة في الأسواق الدولية وظهور التكتلات الاقتصادية التجارية القومية.

     موقع وزارة المالية جمهورية مصر العربية www.mof.gov.eg.

[8] – محمد الصيرفي، مرجع سابق، ص 25.

[9] – راجع موسى اللوزي: “التنمية الإدارية، المفهوم، الأسس، التطبيق”، مرجع سابق، ص 49.

اترك تعليقا