في ظل فضائح الفساد في الجزائر: هل تؤخذ استقلالية القضاء أم تعطى؟

1365981887

سنوات طوال تجاوزت العقد من الزمن، ونحن نسمع في الجزائر عن الرغبة في تكريس استقلالية القضاء والفصل بين السلطات، لكن هذا الخطاب التقليدي ظل محكوما عليه بالاستهلاك الإعلامي لغايات سياسوية ضيقة ليس إلا، على الرغم من أن الذين كانوا وما زالوا يرددونه يفترض بهم أن يكونوا هم أصحاب القرار وصناعه على أرض الواقع، فلا معنى لأي كلام مجرد تتلقاه الرعية في مناسبة أو أخرى وهي ليست من يملك زمام تطبيقه عمليا، إذ الحاكم ومعاونوه هم المطالَبون بتنفيذ وعودهم في آجالها ما دامت السلطة بأيديهم والقرار ملك أيمانهم، وإلا ما الفائدة من ترديد الكلام نفسه على أسماع العامة من الناس في كل عام، من دون أن يجدوا لما يسمعونه أي تجديد في شؤون حياتهم، ومنها العدل في القضاء الذي هو أساس الحكم أو الملك أو كليهما؟

عندما يظهر الفساد في أعلى هرم السلطة وينكشف أربابه أمام الرأي العام، بالشكل غير المسبوق الذي نطلع عليه يوميا في الصحف الجزائرية، يكون هذا الأمر سببا كافيا ليبطل العجب من تماطل وتثاقل الحكومات المتعاقبة، في فك ارتباط القضاء بدواليب السلطة عمليا، فالفساد يحتاج إلى قضاء غير مستقل ولا متحرر من قبضة المفسدين، حتى لا يكون عدل القضاة مطرقة تدق مسامير المحاسبة والملاحقة على نعوش قضايا الفساد المستشري، وللسبب ذاته يظل الساسة يرددون اسطوانة محاربة الفساد مقترنة بشعارات جوفاء عن استقلالية القضاء، ليوهموا الناس بأنهم يتبرأون ممن يتداول عملة الفساد في أسواق السياسة والاقتصاد، وغيرها من شؤون الرعية، وهم في الحقيقة ليسوا منه براء.

ما نراه اليوم من فساد في رأس السلطة بالجزائر وكساد في شؤون الناس من مشاكل البطالة وتوزيع غير عادل للسكنات، وتفش لظاهرة الاختطاف والقتل بشكل رهيب في المجتمع، ما هو إلا انعكاس حتمي لعدم استقلالية القضاء، الذي ينتج عنه غياب العدالة الحقيقية التي لا تمتد يدها إلا إلى الضعفاء دون الرؤوس الكبيرة للفساد. وعندما يعيش البلد على صفيح اجتماعي ساخن بين مطالب بحقه في التوظيف، في ظل نهب لأموال الشعب من قبل أناس يملكون سلطة القرار، وبين ناقم على غياب العدالة والشفافية في الإسكان لمن لا يستحقون على حساب من يستحقون، فحينها لا يمكن للشعارات التي امتلأت رؤوس الناس بها وظلت أمعاؤهم خاوية من ثمراتها، إلا أن تصبح وبالا على أصحابها وينكشف عوارهم أمام الناس.

وإذا كان هذا هو الحال الذي عليه تسير الأمور في البلاد، فإن الوقت قد حان للقضاة أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة أمام خالقهم وبارئهم، قبل تحملها أمام الخلق المستضعفين، ويجعلوا قطار القضاء في سكته التي ينبغي له أن يسير عليها، ما دامت مفاتيح افتكاك استقلاليته قد باتت بأيديهم مع تفاقم ظاهرة الفساد وانكشافها على الملأ مؤخرا، بل هي الفرصة السانحة التي لا يكون بعدها عذر لرجال القضاء، كي يأخذوا بزمام المبادرة ويتبوأوا مكانتهم الحقيقية في الجزائر، من دون وصاية من أحد أو إملاء من هذا الطرف القوي في معادلة الحكم أو ذاك، فإن هم جعلوا أنفسهم قاطرة لمحاربة الفساد في هذا الوقت تحديدا، وتعالت أصواتهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، كان لهم الناس عونا على المفسدين الذين خارت قواهم، أو تكاد، بعد انكشاف عورة فسادهم وانفضاح أمرهم. وأما إن كان للقضاة بعضهم أو أكثرهم شهوة فساد أيضا أو رهبة من المفسدين، فإن هؤلاء بتقصيرهم في الذود عن حقوق الرعية أو تواطؤهم ضدها لحاجات في أنفسهم، سيكونون في زمرة المفسدين في أعين الناس لأنهم لم يقطعوا الطريق أمام الفساد، بل كانوا له جندا بسكوتهم عن الحق.

بقلم محمد بوعبد الله

المصدر  الجزائر تايمز

التعليقات مغلقة.