الجزائر – الهالك والمُستهًلك في زمن الفساد المؤيد بالقانون

download (48)

كما كان متوقعا من الحراك الذي يسبق عادة موعد الرئاسيات، فإن عودة الحديث حول ملفات الفساد، ليست بالضرورة مؤشرا فارقا على قيام سياسة جديدة وجادة لما يسوقه بعضهم تحت عنوان “الأيادي البيض” أو تتوهم فيه نوعا من التطهير الذاتي تقوم به السلطة بهدف التخلص من ملفات الفساد الثقيلة، وإبعادها من الواجهة قبل موعد تسويق منتج توافق السلطة.

كان هذا سلوك السلطة مع ملفات الفساد من قبل وسيظل ولم يسبق أن عولج ملف فساد واحد ضمن سياق طبيعي، كإجراء تنفذه مؤسسات رقابية أو قضائية، بل كانت حالات الكشف عن ملفات فساد أداة لتصفية الحسابات بين أجنحة متصارعة على السلطة ليس إلا، نتذكر منها اشهرها: ملف مجمع الخليفة الذي تفجر بعد انتخاب الرئيس بوتفليقة، وبعض التسريبات التي لم تذهب بعيدا بشأن شبهة الفساد في صفقات الطريق السيار، فيما كان ملف الفساد بقطاع المحروقات يطفو إلى السطح، ويشهر كتهديد من حين لآخر.

المسارات الدودية لرحلات المال الفاسد

تزامن فتح ملف الفساد العالق بتلابيب “سوناطراك” وقطاع المحروقات مع التلويح بإعادة احياء ملف “مجمع الخليفة”، هما عنوانان لفساد سياسي ما زال يتعاطى مع تدبير الشأن العام، وحسم التنافس على مواقع السلطة، بطرق قد لا يكون مبالغا من يصفها بأساليب المافيا، لأن الغاية من فتحها وتسليط الأضواء عليها ليس بالضرورة تحقيق العدالة والقصاص من الفاسدين، واستعادة المال المنهوب، بقدر ما هي أدوات مساومة وترهيب متبادل.

من السذاجة أن يفاجأ الرأي العام بما تم الكشف عنه من فساد في ملف واحد من ملفات الفساد في قطاع المحروقات، له صلة بصفقة تشييد أنبوب للغاز المصدر نحو ايطاليا وقد نجد بعض الأعذار للمواطن البسيط، غير المطلع على سيرة ابرام الصفقات العمومية: وكر الفساد والمفسدين على الإطلاق، أما الطبقة السياسية من المعارضة التي ركبت متأخرة موجة التنديد والبكاء على المال العام، والمطالبة بمحاسبة الرؤوس، هي في العرف السياسي مدانة مثل الفاسدين في السلطة وفي حواشيها، لأن عملية السطو على المال العام في هذه الصفقة كما في المئات من الصفقات العمومية، إنما تتم في العلن، ولا تحتاج لا إلى خبراء، ولا إلى قضاة تحقيق، أو إلى تحريات خاصة.

وإذا كان ملف صفقة أنبوب الغاز وما يكتنفه من فساد يفوق قدرات الرصد عند الطبقة السياسية في السلطة كما في المعارضة، فإن ملفات فساد تنفذ يوميا أمام أعين الجميع، على الأقل في الصفقات العمومية التي تنفذها مؤسسات الدولة، والتي هي عندنا كما هي في أعرق الديمقراطيات تشكل المنجم الأول للفساد المالي، وفردوس الفاسدين، ولن نطمح في تعقب الفساد الكبير الحاصل في الصفقات العمومية الكبرى، التي تشترك فيها قوى جبارة هي فوق المحاسبة، حتى نطور أدوات قادرة على تضييق المجال الحيوي للمفسدين في دوائر النشاط المحلي، حيث تقل حماية العلية للحاشية من صغار المفسدين، وتسهل المراجعة وحتى المحاسبة.

الآثم والمأجور من السرقة والغلول

ثمة أدوات بسيطة للحد من الفساد والعبث بالمال العام، في ما تتعاطاه المؤسسات التنفيذية والمنتخبة على المستوى المحلي في جميع الصفقات العمومية وبلا استثناء. فقد يعتقد بعضنا أن المفسد السارق للمال العام، هو فقط من تمتد يده للخزانة العامة في مركز البريد، أو في أحد الفروع البنكية، أو في احدى القباضات الجبائية أو الجمركية، فتلكم سرقات عادية يسهل الكشف عنها، وقلما ينجو أصحابها، أما أعمال الفساد الحقيقية فهي التي تنفذ امام أعيننا، وبطرق قانونية لا غبار عليها، تصمد في الغالب أمام التحقيق الجنائي والمحاكمة، كما صمد التزوير القانوني للانتخابات في الاستحقاقات الأخيرة أمام سبل الطعن فيها لأنه فساد سياسي نفذ بأدوات قانونية.

وعلى هذا المستوى ايضا سوف نتفاجأ كيف أن منظومة الفساد قد أوجدت أكثر من غطاء قانوني، وأدوات شرعية للسطو على المال العام دون الخوف من ملاحقة قضائية. ومنها أن قانون الصفقات العمومية، المستنسخ من قوانين غربية مجربة، اختبرها الفاسدون في الغرب، قد تعمد ترك بعض الثغرات التي يمرر عبرها الفساد المحمي من المساءلة، حتى أنك عندما تخضع اية صفقة عمومية للبحث على المستوى المحلي أو على المستوى المركزي، سوف تفاجأ بمقدار احترام الأطراف المعاقدة للنص القانوني، لأن صفقة الفساد إنما تكتب في العادة بالحبر السري، وتنفذ بالتراضي بين الطرفين عبر وسطاء ووكلاء، وبتغطية قانونية تتولاها اليوم مؤسسات التوثيق والتحضير القانونيان اللتان نجح النظام في خصخصتهما لخدمة منظومة الفساد.

رادار الإنذار المبكر بطرق الفساد السريعة

لقد كان بوسع السلطات العمومية أن تؤسس نظام انذار مبكر يمنع قيام الصفقات المتهمة بشبهة الفساد، حتى لا يكون بوسع الأطراف التي تعاقدت في صفقة انشاء أنبوب الغاز او وزير الطاقة ابرام العقد المتهم اليوم بشبهة الفساد، ومن حسن الحظ أن المعلومة في زمننا متوفرة عن أي نشاط بشري، يكفيك ان تحرر اسئلة بسيطة على نافذة البحث “غوغل” لتحصل على ما تشاء من المعلومات، ولو شئت أن تعرف متوسط كلفة الكيلومتر الواحد من منشأة لنقل الغاز او النفط، أو متوسط كلفة كيلومتر من الطريق السريع، أو كلفة تعبيد طريق ثانوي، أو كلفة أي انجاز قاعدي، لكان بإمكانك قبل الدخول في أية مفاوضات الحصول على حدود قصوى لما هو متعارف عليه عالميا.

وقد كان بوسعنا على سبيل المثال أن نسأل عن كلفة الكيلومتر الواحد من الطريق الشيار عند الجارتين: تونس والمغرب، لنكتشف أن كلفة الطريق السيار عندنا متهمة بشبهة الفساد بنسبة قد تزيد عن أربعين في المائة من كلفتها الحقيقية، وسوف نكتشف أن أغلب الصفقات العمومية تطالها نفس الشبهة، وأنه حتى مع وجود حسن النية وغياب الدليل المادي عن تورط كبار المسؤولين في الدولة، فإنه لا يجوز تبرئتهم من تهمة التقصير في حماية المال العام من النهب في الحد الأدنى، وبيدهم أكثر من وسيلة لتقييد الفساد، والتضييق من مجاله الحيوي، كما كان بوسع الطبقة السياسية ومنها المعارضة، أن تنشئ بإمكانيات بسيطة أدوات لرصد مناجم وأنشطة الفساد قبل وقوع الفساد، بإخضاع منظومة الصفقات العمومية للرقابة القبلية، ولقدر من الشفافية في مرحلة المفاوضات بل وعند إعداد دفتر الشروط، وانتقاء المشاركين في المناقصات، وأخيرا بإخضاع منتج الصفقة إلى اختبار جدي يبحث في مقدار احترام المتعاقدين لدفتر الشروط.

بعد أقل من ثلاث سنوات على فتح الطريق السيار للحركة، باستطاعة أي مواطن أن يكتشف حجم المخالفات التي ارتكبتها الشركات المنفذة، وما كان يليق بوزارة النقل أن تقبل باستقبال المنشأة التي نراها تفضح عند أول تساقط للمطر، وذلكم حال الكثير من المنشآت العمومية التي يطالها الفساد من جهتين على الأقل: من جهة الكلفة العالية التي تغطي عمولة الطرف المتعاقد مقدما ومن المال العام، ثم من جهة اضطرار المتعاقد إلى الغش في المواد وفي احترام المقاييس وما اتفق عليه في دفتر الشروط يكلف البلد فواتير إضافية.

جغرافية الفساد التي لا تقبل بفرقة ناجية

مشكلة البلد مع الفساد ليست في استفحاله وغلو المفسدين فيه وجرأتهم على النهب المنهجي المنظم، المحمي للأسف بمنظومة قانونية ملغمة، تمنع الملاحقة القانونية للمفسدين حتى مع وجود إرادة سياسية، بل مشكلتنا هي مع غياب أطراف صالحة منكرة للفساد والغلول، لم تغمس ايديها في قصعة الفساد حتى تكون مؤهلة لمحاربة الفساد. ولعل أعظم فساد طال البلد هو توسيع جغرافيته، وتكاثر أتباعه، واستشراؤه بنسب متفاوتة في جسم الدولة والمجتمع، كل حسب طاقته ومواهبه وتفقهه في فنون الفساد، وعلى قدر ما وضع بين يديه من فرص الاعتلاف من المال العام، حتى أن الفرقة الناجية من إثم الفساد، هي الفرقة التي لم تجد بعد فرصة لاقتطاع نصيبها من كعكة المال العام.

وإذا كانت الدول والمجتمعات المتقدمة، الرافعة لشعار “الحكامة” المتشدقة بمفاهيم دولة القانون، ورقابة الشعوب على المال العام، لم تفلح في تحجيم الفساد حتى وإن أفلحت في منحه الشرعية والغطاء القانوني، ونراها تدير بكفاءة عملية التدليس على العوام، فكيف لمجتمع في طور التشكل مثل مجتمعنا أن يطمع في غل ايادي أهل الغلول، وأمة الاعتلاف المفتوح في السائب من المال العام، حتى نصدق أن ساعة “الأيادي البيض” قد دقت، وأن القانون سوف يأخذ مجراه، ويطال المفسدين.

تحريم الخلوة عند تحرير الصفقات العمومية

أقصى ما هو متاح اليوم، وفي انتظار توافقنا على بناء دولة مؤسسات تحد من جغرافية الفساد وأنشطته في حدود يتحملها المجتمع ولا تخل بالأمن الاجتماعي أقصى ما هو متاح اليوم هو استنفار من نجا من وباء الفساد من الصالحين إن وجدوا، لسياغة أدوات ترصد مواطن الفساد، وتستبق أنشطته بإخضاع سلوك وأنشطة المؤتمنين على المال العام بقدر من الشفافية، من باب حماية المفسدين من أنفسهم قبل التورط، ومن باب أن الوقاية خير من العلاج.

وحتى إذا فرطنا في الوقاية وجب علينا حينها البحث عن آليات عقلانية وعادلة، تتعقب الفساد بمفردات “من أين لك هذا؟” على الأقل فيما يظهر من مال الفساد في معيشة المفسدين، وممتلكاتهم العقارية، وحساباتهم الجارية التي تفوق ما يمكن لأجرة المسؤول أن تفي به، وهذا مني تمنٍ لا أكثر، لأنه لا يمكن التعويل على من يده غارقة في الفساد ان يتحول بين عشية وضحاها إلى مصلح يحارب طواحين الفساد، وقد علمتنا التجارب أن الفئة الناجية من الفساد السياسي والمالي هي التي لم تتوفر لها بعد فرصة المشاركة في الاقتتال على ريع السلطة، ثم الاعتلاف من العام.

بقلم حبيب راشدين

المصدر الشروق

التعليقات مغلقة.