تحليل سياسي لرواية (بيــــلان) التي تصور الإفساد في الأرض
بواسطة Transparancy بتاريخ 7 Jan, 2013 في 01:55 PM | مصنفة في كتب ومنشورات, مقالات, مقالات مميزة | 2 تعليقات

belan
أول مرة قرأت رواية (بيلان 2011) للصديق الدكتور موسى رحوم عباس، لم أتعمق  كثيرا في عنوان الرواية (بيلان) ، أعرف أن بيلان بلدة في جبال الأمانوس، وأعرف أنها تقع في ممر أو مضيق بيلان الشهير في التاريخ، ويصل المضيق بين سهلي أنطاكية وخليج إسكندرون، ولكن لم أعرف وقتها تاريخيا (ماذا تعني بيلان) التي تتمتع بموقع استراتيجي هام، ويطلق عليها اسم (بوابة سورية).

عند دراسة سريعة لتاريخ المنطقة، نجد أن (بيلان) هي  المعبر الوحيد في جبال الأمانوس، منه مرت جحافل الآشوريين، والفرس، والرومان، والعرب المسلمين في العصرين الأموي والعباسي، ثم الحملة الصليبية الأولى وجيوش المماليك والتركمان والمغول، ثم إبراهيم باشا المصري في عام 1832 . إن تاريخ (بيلان) السياسي والتاريخي خلال القرون الماضية هام جدا في تاريخ سورية. ولكن هل لتاريخ ممر (بيلان) علاقة في رواية الدكتور موسى رحوم عباس ؟! وما هو السبب الرئيس خلف تسمية روايته (بيلان)؟

يصف الدكتور موسى رحوم عباس  “بيلان ” في روايته على أنه وادٍ يتوسط قرية “كسرة مريبط”، وهي قرية تقع على ضفاف نهر الفرات، وتبعد حوالي 90 كم من الرقة، ويقسمها جغرافياً إلى حيِّين شمالي وقبلي. حيث يشكل انتماء القرية إلى طريقتين، سبباً رئيساً للخلاف الدائم. عالمان مختلفان مؤتلفان فشمال بيلان ليس مثل جنوبه.  وربما أراد أهل المنطقة أن يكون لهم بيلانهم (في رمزية واضحة للعبور إلى أنفسهم )، بيلان آخر، وربما وصلوا إلى بيلان/ الممر، وعرفوه خلال نزوحهم الكبير إلى سهل (العمق) غربي حلب في بعض سنوات الجدب التي دهمتهم غير مرة (فقاوموا الموت بالهجرة)، كما يفسر الدكتور موسى (بيلان).  وعلى جانبي وادي بيلان تجري أحداث الرواية التي تتحدث عن مرحلة تاريخية هامة في تاريخ سورية، وهي الفترة التي تم فيها بناء (سد الطبقة)، ويحلل ما حصل في تلك الفترة من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية وسكانية ونفسية وأثرها على السكان.

فالمقصود من التسمية كما سنرى من خلال أحداث الرواية هو (مقاومة الموت بالهجرة) من منطقة عشقوها وكانت الهجرة منها بمثابة الموت بالنسبة لهم.

كما يركز الدكتور موسى على (أهمية هذا المكان السياسية ودوره في تاريخ سورية) بمثابة أهمية ممر بيلان الإستراتيجية الدولية بين أنطاكيا وإسكندرون. وقد أثبتت أعمال التنقيب إنه من أهم مواقع تاريخ الحضارة الإنسانية على الأرض، وعن أول عملية استقرار للإنسان وعن بدء الزراعة وتربية الحيوانات، إذ أنه ومنذ حوالي /8500/ ق م كان يعطي الحضارة للعالم، ليظهر الكشف الأثري لنا عن أول وأقدم موطن للحضارة الإنسانية، والتي غمرتها  بحيرة السد بمائها عام 1974م، بعد أن أجبر السكان على الرحيل، وهجروا قسريا بعد أن صنعوا الحضارة. ويؤكد الكاتب هذا حين يقول إن هذه الأرض التي سيغمرها الفرات، ويهجّر أهلها إلى المجهول، هي أول أرض منحت البشرية القمح والرغيف.

رواية “بيلان”  لها دور أساسي وهام في تاريخ سورية السياسي في مرحلة حزب البعث التي تبدأ من السياسات الأمنية إلى سياسات التمييز، وسياسات التهجير القسري وسياسات عنصرية لها أبعاد ترتكز على التغيير الديموغرافي للتركيبة السكانية في سورية ، وخلق ما سمي ب(الحزام العربي) وهو نتاج فكر شوفيني مقيت .

إن رواية بيلان تجري مقاربة للحياة في تلك الفترة وتحديداً من خلال بناء (سد الطبقة)، وما نتج عن ذلك من تفتيت ثقافي وبشري للكتلة الاجتماعية المستقرة هناك منذ آلاف السنين. وترسم الرواية صورة حقيقية على فشل دولة البعث بل ما سمي بالدولة الوطنية زورا، في إنجاز مهام التحديث والتطوير، من خلال تركيز الرواية على حال سكان القرى بعد بناء السد ونزوح القرى المغمورة بالمياه، بدون أن تكون هناك أي سياسات لحماية أهالي القرى، بل عدوا أدوات لتنفيذ فكره المتخلف لا أكثر !

لقد خسر أهالي القرى المغمورة ذكرياتهم وتاريخهم، ولم يحصلوا على حياة جديدة، كما كان يدعى أهل الحكم في تلك الفترة.  وتحاول كتب التاريخ محو ذكرى القرى التي كانت موجودة، وبقايا حكاية هذا المكان، لتبقى أسيرة لكتب التربية القومية الاشتراكية البعثية، التي تروي حكايته كأحد إنجازات “سورية الحديثة”، وربما ضاعت حكاية تهجير أهالي القرى المغمورة ومعاناتهم في زحمة حكايات الثورة التي سمي السد باسمها ذلك الاسم الذي رفضه أهل المنطقة، واستمروا في تسميته سد الطبقة.

أكلت (ثورة) سد الفرات أبناءها، واليوم يحتاج السد لحملة إعادة كتابة لتاريخه، فيما لا يزال الفلاحون الذين أخذ السد وبحيرته أرضهم ويا للمفارقة تسميها المطبوعات الرسمية ( بحيرة الأسد !!) ، ينتظرون التعويض منذ حوالي أربعين عاماً، وما يزال العمال الذين استشهد بعضهم في أعمال الحفر والبناء ينتظرون التعويضات أيضا !!!

وبينما كانت الدولة تبني سد الفرات العظيم ،كانت هناك قرى تصارع للحياة، وعندما  تحول مجرى النهر، واستطاع السد ترويض النهر، غرقت ثمانون قرية بشكل كامل، ومحيت عن وجه الأرض، ورحل عنها أهلها ذاعنين لقرارات الحكومة التي وعدتهم بالرخاء والتعويض بأرض جديدة… ليبقوا منذ ذلك الحين بلا تعويض في السكن ولا لمصدر رزقهم ولا لأرضهم. ليبقوا عاطلين عن العمل يهاجرون من مكان لآخر بحثا عن مصدر للرزق، ( إلا من رضي أن يستقر فيما سمي بالحزام العربي !!) .

ففلاحو منطقة الغمر الذين ألِفوا العيش في أحضان حوض الفرات المعطاء، وانتظروا سنوات وسنوات، يحلمون بالجنات التي سوف ينعمون بها بعد بناء السد، لم يخطر على بال أولئك الفلاحين يوماً أن سد الفرات سيكون سبباً في تشريدهم من الأراضي التي نشؤوا بها، ولم يكونوا يعلمون أن بناءه – بدلاً من أن يدرأ عنهم خطر الفيضانات كما كان متوقعاً- يؤدي بهم إلى  التشرد والسكن في العشوائيات.
.
عوضا من أن تضع الحكومة سياسات عادلة لحماية السكان من فيضان نهر الفرات، واتخاذ إجراءات لحمايتهم تتبع سياسات الغش والكذب والخداع والتلاعب بحقوقهم، وتقوم على تهجيرهم قسريا وإعادة توطين المغمورين في عامودا والحسكة والقامشلي حتى الحدود السورية العراقية وفق سياسات عنصرية معروفة، تهدف إلى التغيير الديموغرافي للسكان في المنطقة، أو دفعهم للسكن في العشوائيات وبيوت الصفيح  على أطراف مدينة الرقة، حيث يصف الكاتب السكن في العشوائيات، من خلال وصفه (الرميلة التي هي حي عشوائي في الرقة)، والحياة في الكتلة الإسمنتية  التي ليس لها هوية ولا لون بعد الحياة على ضفاف نهر الفرات.  يدفع حكم البعث أهالي المنطقة ليصبحوا عاطلين عن العمل بدون أن يوفر لهم أي فرص بديلة بعد تهجيرهم من أراضيهم الزراعية، يدفعهم للهجرة والعمل في لبنان من أجل لقمة العيش، يدفعهم للفقر والتشرد  والاستغلال، يدفعهم للهجرة من أجل الخلاص من الموت.

ومن أسوأ ما قام به هذا النظام البعثي بل العبثي، أنه أوهم سكان القرى بأنه يخطط لمشاريع للمناطق المغمورة، وقدم الوعود الكاذبة لسكان القرى، ثم انسحب وتركهم في العراء… كما وصف الكاتب في الرواية الرفيق جورج،  يقول: ( هذا يتطلب تضحية ولكن القيادة قررت بناء مزارع للدولة على أن تكون نموذجية، الماء، والكهرباء، والمدارس…… ) وعود كثيرة كاذبة من أجل إخضاعهم وإسكاتهم عن المطالبة بحقوقهم، مثل وعوده بإنشاء (المشروع الرائد)  لإسكان أهالي بيلان في مزارع نموذجية بديلة، حيث يصف الكاتب وعي أهالي القرية بكذب النظام البعثي من خلال تصويره  لكيفية تعامل الأهالي مع هذا المشروع باستهزاء، عندما كان يتحدث (الرفيق أحمد في الرواية) عن المشروع الذي رفضه أهل القرية وقالوا بأنهم سيموتون في دورهم ولن يصبحوا مغمورين، ولم يكن في الحقيقة سوى مشروع وهمي وعدت الدولة أهل القرى بتنفيذه من خلال الترويج له بالأفلام والأشرطة والوعود الكاذبة والأحلام الوردية والأبقار الهولندية … ولكن يرفضه أهل القرى، ويستهزئون به، ثم تتراجع الدولة وتصرف النظر عن المشروع،  حتى إن الرفيق البعثي نفسه في الرواية قال (هل تريد القيادة أن ترمي المواطنين في البحيرة) ..لقد وصف الدكتور موسى هذه المرحلة بطريقة حقيقية، تعبر عن الظلم الذي عاشه أهالي القرى، وكيف تعاملت معهم الدولة بالوعود الكاذبة ومن ثم التخلي عن مشاريعها وتركها للأهالي  واقتلاعهم من جذورهم.

الكاتب يتحدث عن مدينة الطبقة والتأثير الروسي فيها، كلنا نعرف أهمية سد الطبقة ولكن لا يوجد أي دولة بالعالم تبني سدودها فوق معاناة وتهجير وإفقار شعبها، إن السياسات الفاشلة التي اتبعتها الدولة التي كانت تعتمد على الفساد والرشوة والتمييز لا يمكن تجاهلها…إنها سياسات البعث الذي تريد أن تبني دولتها على جثث مواطنيها وليس على أرض ثابتة من أجل بناء دولة تحترم الإنسان ..

الدكتور موسى رحوم عباس يكتب رواية (بيلان) ليقدم لنا صورة حقيقية عما حدث، ربما يمكن للكلمات أن تنصف أهل السد الحقيقيين الذي تم نسيانهم … هم أصحاب الحكاية وأصحاب الرواية. حيث تجده في الرواية ينقلك إلى عالمهم، لتشعر بهم وبحقيقة ما حدث بأسلوب رائع تشعر أن القضية أصبحت قضيتك الشخصية وأنك من أهالي القرى المغمورة، وأنك تعيش الظلم والقمع والدولة الأمنية معهم. تشعر بأنك لا ترغب بالهجرة ولا التشرد ولا العيش في العشوائيات ولا الهجرة للعمل في لبنان ولا اغتصاب أراضي الغير بالقوة. ولكنك تجد نفسك مجبرا على الهجرة القسرية (حيث الهجرة أو الموت مغمورا بنهر الفرات).

في الفصول الأولى من الرواية يصف لنا الكاتب البيئة والحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تلك الفترة. حيث ينقلك الكاتب  في الرواية إلى حياة البداوة بطريقة تجعلك  تشعر أنك بدوياَ حقيقياً، تعيش مع الناس الحياة اليومية من صناعة الخبز إلى وصف العادات الاجتماعية والتقاليد، مثل الزواج والزهاب حتى تصبح تتكلم معهم لغة البداوة الحقيقية. إنه يحملك لتعيش الواقع الاجتماعي السياسي في تلك الفترة وتشعر أنك جزء من هذا المجتمع. ويصف شخصيات الراوية بكل دقة حتى تشعر وكأنك تعيش بينهم، يصف المرأة وارتباطها بالأرض والوطن ويلونها بألوانه ورائحته… يراها  تارة زهرة برية نبتت على شاطئ الفرات، أو حبة قمح في موسم الحصاد، أو غزالا شاردا، أو عروسا للنهر.

أجمل ما في الرواية ذكر الكاتب في التنويه بمقدمة الكتاب، بأن الحقيقة الوحيدة  في الرواية هي “كسرة مريبط”، أما شخوصها فهي من خيال الكاتب المريض بحب ذلك اللامكان، ولكنك عندما تقرأها تجد الدكتور موسى رحوم عباس في كل شخوص الرواية،  يجلس على ضفة نهر الفرات بكل هدوء ويفكر بعمق، تارة شيخ في الجامع، ومرة طالب جامعي، ومرة أخرى حسينوه الشخصية الأكثر جدلا في الرواية.

يصف الكاتب فترة الحكم في المناطق النائية والحياة العشائرية في تلك الفترة، حيث ينصَّب (المختار) من قبل الحكومة ولكن أهل القرية يتجاهلونه، ويجتمعون حول (أبي إبراهيم) أحد وجهاء القرية والذي يحظى باحترام (العشيرة) أكثر من المختار(الحكومي). ويصف الشرطة ( رمز القمع ) والتناقضات في تلك الفترة والجهل والضياع الذي تعيشه القرى البعيدة عن المركز.

يصف الكاتب الظلم الذي عاشه أهل القرى، حتى أن الأموات يتعرضون للغرق، وعمل أهل الكسرة على إنقاذهم (كل يحفر قبور موتاه، ثم يضع عظامهم في أكياس)..وصف عميق لمعاناة الناس يتقاطع فيها المعقول باللامعقول، الحياة بالموت، التفجع بالقناعة (يوم الحشر) كما وصفه الدكتور موسى.

يتحدث عن التهجير القسري والرحيل والصلاة الأخيرة في مسجد القرية وعملية التوزيع على القرى والرحيل ، والتمييز بين الناس المقربين من المختار تحت مظلة (أمر من الحكومة) والانتهاكات لحقوق أهل القرية الإنسانية.

رواية رائعة  للدكتور موسى رحوم عباس،  يؤكد فيها ارتباطه العميق بالوطن ورائحة الأرض والتراب  وكل شبر من سورية ، تراجيديا توصله للجهر بالصوت محذِّرا كل واحد منا : (لا تباعد بين أصابعك فأنت تقبض على حفنة التراب الأخير) .

المراجع والملاحظات
رحوم عباس ، موسى ، بيلان ، دار بيسان للنشر والتوزيع والإعلام ، بيروت ، 2011م
المشروع الرائد : سلسلة من المزارع والقرى النموذجية أعدت للمغمورين لإعادة توطينهم قريبا من أرضهم الأصلية حول مدينة الرقة ، ثم صرف النظر عنها لصالح مشروع الحزام العربي العنصري ، بعد أن تم البناء الفعلي لهذه القرىب

بقلم : الدكتورة شذى ظافر الجندي

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. abdullah alsarheed says:

    جميل رائع بل مذهل :) ،، سيكون لي ان شاء الباري عزو جل وقفه مع هذه الروايه ،، لكم جهود تذكر فتشكر >> سلمت أناملكم وبوركت جهودكم .. .. !

  2. عبد الحليم أبوسراج says:

    تحليل دقيق يصيب عين الحقيقة التاريخية بكل جوانبها لرواية بيلان ، وقد وصلت بي الدكتورة شذى إلى بعض المراسي التي تهت عنها آنفاً .. ألف شكر.

اترك تعليقا