الفساد فزاعة للاستثمار في مصر

ربما قللت ثورة‏25‏ يناير من الفساد بفضل الإجراءات القضائية وملاحقة بعض رموز الفساد‏,‏ الا أنها لم تقض عليه نهائيا ومازال يلتهم الكثير من موارد الدولة ويعوق التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي ويقف حائلا أمام تحقيق الحكم الرشيد‏.‏ في اعتقادي أن غياب الشفافية والنزاهة وعدم صدور قانون موحد لحرية تداول المعلومات حتي الآن وراء استمرار الظاهرة والتفافها حول الجهاز الاداري للدولة. وقد يقول البعض أن الفساد الإداري ظاهرة منتشرة في جميع الدول, لكن بدرجات متفاوتة من حيث مدي خطورتها ومدي استشرائها في النظام الإداري والسياسي والقضائي القائم, إلا أن الفساد في مصر طال معظم مرافق الدولة, خاصة بعد شيوع الرشوة والمحسوبية, ما تسبب في بنية تحتية منهارة, وآداء اقتصادي سييء ووفر بيئة طاردة للاستثمار المحلي والأجنبي. كما أنه علي مستوي الدولة الواحدة تعتبر مكافحة الفساد الإداري من الموضوعات التي تهم جميع طوائف المجتمع, نظرا للآثار المدمرة للفساد الإداري علي جميع القطاعات. الغريب أنه حتي الآن لا توجد جهة قومية موحدة لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية, وقد كان النظام السابق يخدع الرأي العام المحلي والعالمي بالترويج لانشاء لجنة تنسيقية لمكافحة الفساد تتبع رئاسة الحكومة وتكون مهمتها اصدار التشريعات ومراجعة الاتفاقيات الدولية والعمل علي مراقبة تطبيقها وهو ما لم يحدث حتي اندلالع الثورة وسقوط النظام. ورغم أن لدينا أقدم نظام بيروقراطي منذ الأزل أي في العالم وأكثر من6 ملايين موظف في الجهاز الاداري للدولة ووصول تكلفة الفساد الخزانة العامة للدولة لأكثر من3 مليارات دولار, أي ما يعادل قيمة القرض الذي أجبرنا علي طلبه من صندوق النقد الدولي ويمثل عند قطاعات كبيرة من المجتمع إهانة للمصريين, خاصة لو قارناه بمجتمعات مثل اندونيسيا والصين وغيرها ممن نجحوا في الاكتفاء الذاتي الذي يرفع كرامة الأمم. وقد تسببت كلفة الفساد العالية في قيام المنظمات الدولية بوضع مصر في قائمة الدول الأكثر خطورة والمصنفة في المؤشر الحرج ضمن60 دولة في العالم الثالث, حيث تحتل مصر المركز43 في الدول, ما يهدد بخروج الاستثمارات الأجنبية. لذلك اقترح إنشاء مجلس أعلي لمكافحة الفساد من واقع خبرتي كعضو مؤسس في لجنة الشفافية والنزاهة التي تأسست في وزارة التنمية الإدارية. كما كنت من المشجعين لإنشاء جمعية المفوض العام للدفاع عن حقوق المواطنين, كما هو الحال في مملكة السويد زمان وهو موضوع أثرته عندما كنت عضوا بمجلس الشعب دورة.1995 وتقوم مهمة المفوض العام علي مساعدة الفقراء ليس عن طريق العمل الاجتماعي الكلاسيكي بل العمل التطوعي الذي يسهم في عملية التنمية. من واقع جولاتي السابقة في مختلف دول العالم فقد تلقيت دعوة رسمية من الرئيس التنفيذي لحكومة هونج كونج السير دونالد سانج وكان زميلي في جامعة هارفارد قد أرسل لي دعوة لزيارة ماحدث من تطور اقتصادي وصناعي هناك. وكان أكثر ماجذب انتباهي ذلك التحول الذي حدث. فبعد أن كانت هونج كونج تصنف من أكثر الدول الفاسدة أصبحت الثانية في آسيا والـ15 علي مستوي العالم في جهود مكافحة الفساد بفضل إنشاء مجلس يتبع الرئيس مباشرة لمكافحة الفساد. وقد أمضيت هناك ثلاثة أيام شرحوا لي خلالها كيف وصلوا الي هذا؟. عندما كنت عضوا بلجنة الامم المتحدة للتنمية تعرفت علي الخبير الأممي البارز ذي الأصل الهندي شاسي تارور وقد أهداني كتابه عن المعجزة الهندية وتعرفت منه علي كيفية نجاح التجربة الهندية في مكافحة الفساد من خلال تطوير مؤسسات الحكم المحلي ومراقبة الجهاز الاداري بآليات جديدة وإصلاح التشريعات. في هذا السياق أقترح أن يكون المجلس الأعلي للنزاهة ومكافحة الفساد هيئة مستقلة تتبع رئيس الدولة مباشرة ولها ميزانية خاصة وصلاحيات كاملة, تعمل علي تعزيز الاطار المؤسساتي لضمان الشفافية والنزاهة والوقاية من الرشوة والحد من تداعياتها الخطيرة. والأهم من ذلك كله حماية الشهود, عبر اجراءات عملية صارمة وثقافة ادارية جديدة تخدم المواطن وتعمل لصالحه.

بقلم: مني مكرم عبيد

موقع ahram.org.eg

التعليقات مغلقة.