السعودية … شبهات حول النزاهة المالية لعقود التوريد

كل جهة حكومية تحرص على سمعتها، وأن تكون نتائج التحقيق ـ في الغالـب ـ تصب في مصلحتها، وبالتالي لا تعترف بوجود المشكلة، وفي بعض الأحيان تلجأ إلى إجراءات جزائية وعقابية بسيطة بحق بعض الموظفين المسؤولين

كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مؤخراً عن وجود شبهة فساد في ترسية عقد تأمين كراسي الغسيل الكلوي بوزارة الصحة، والتي تم إسنادها إلى مسؤول سابق في الوزارة، بالإضافة إلى وجود عيوب فنية وجوهرية في مواصفات الكراسي الموردة.
واللافت للنظر في هذه القضية أن الوزارة نفت وجود العيوب الفنية، من خلال لجنة فنية شكلت للتحقيق في هذا الموضوع والتي انتهت إلى ملاءمة العينة الموردة من الكراسي، إلا أن الهيئة لم تقتنع بهذه النتائج وأحالت أوراق القضية إلى هيئة الرقابة والتحقيق للبت فيها، وخاصةً في ظل وجود مؤشرات وشبهة فساد في هذه القضية وعدم حيادية واستقلال اللجنة المشكلة.
هذه القضية بالتحديد ليست فريدة من نوعها، وهي تتكرر من وقت إلى آخر ليست في وزارة الصحة فحسب، بل هناك جهات حكومية أخرى، تحصل فيها مثل هذه القضايا، والقاسم المشترك بينها أنها تتعلق بأمور فنية تحتاج إلى خبرات متخصصة، ولهذا السبب فإن الأجهزة الرقابية لا تستطيع البت في مثل هذه العقود وتكتفي في الغالب بإجراءات التحقيق واللجان المشكلة في الجهات الحكومية نفسها.
وبالطبع فإن كل جهة حكومية تحرص على سمعتها، و أن تكون نتائج التحقيق ـ في الغالـب ـ تصب في مصلحتها، وبالتالي لا تعترف بوجود المشكلة، وفي بعض الأحيان تلجأ إلى إجراءات جزائية وعقابية بسيطة بحق بعض الموظفين المسؤولين، وذلك بهدف حفظ القضية والرد على ملاحظات الجهات الرقابية لإنهاء الموضوع بيروقراطياً.
إلا أنه في هذه المرة، بادرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بنشر القضية في وسائل الإعلام، وإحالتها إلى هيئة الرقابة والتحقيق لعدم الاقتناع بنتائج التحقيق، الأمر الذي تشكر عليه الهيئة في نهجها لهذه الممارسة الجيدة، والتي تحسب لها لانتهاجها مبدأ الشفافية وحرصها على مكافحة الفساد، وعلى الرغم من ذلك إلا أن هناك بعض الملاحظات والأسئلة التي تثار حول قضية عقود توريد الأجهزة الطبية التي تعتبر شكوكا حول النزاهة المالية لمثل هذه العقود، التي ألخصها على النحو التالي:
أولاً/ تتعلق نصوص المواد (111-115) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية، باستلام الأصناف الموردة، وتتضمن نصوص هذه المواد استلام الأصناف وفحصها من خلال لجنة تشكل بهذا الخصوص، ومن مهام هذه اللجنة التأكد من مدى مطابقة الأصناف الموردة للشروط والمواصفات، ومن ثم تقوم اللجنة برفع محضرها وقرارها سواء بالقبول أو الرفض إلى صاحب الصلاحية، وفي حال قبول الأصناف يتم استلامها نهائياً، وفي حال رفضها يتم إخطار المورد لسحبها خلال 7 أيام وتوريد بديل عنها.
والسؤال المطروح هنا: هل قامت الوزارة بإجراءات استلام الأصناف (الكراسي) وفق مواد اللائحة التنفيذية لنظام المنافسات؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن ذلك يعد خللاً في أنظمة الرقابة الداخلية ومن الضروري تحديد أسبابها فضلاً عن كونها مخالفات نظامية تجب المساءلة عنها، أما إذا كانت الإجابة بنعم، فهنا يجب الرجوع إلى محضر لجنة الاستلام، والنظر في قرارها (القبول أو الرفض)، ومن هنا نستطيع الكشف ما إذا كان هناك تواطؤ أو وجود نفوذ لرئيس اللجنة في حال ثبوت عدم مطابقة الأصناف للشروط والمواصفات وتم قبول الأصناف، وهنا يتم تحديد المسؤولية بوضوح أكثر، ولكن في الغالب يكون أعضاء هذه اللجان غير متخصصين فنياً ويتم الاستلام بصورة شكلية، لذا يجب إعادة النظر في هذه اللجان والاشتراط بضرورة وجود مختصين فيها في مثل هذه الحالات.
ثانياً/ ذكرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، عدم حيادية واستقلالية الطبيب الذي قام بفحص عينة من الكراسي، وهذا تبرير معقول من قبل الهيئة، ولكن كان من الأفضل أخذ استشارة فنية من خبير خارجي ومستقل عن وزارة الصحة ليقوم بعملية الفحص، ومن ثم كتابة تقرير بذلك للهيئة، ولكن من الواضح أنه لا توجد لدى الهيئة آليات (إدارية ومالية) لكيفية التعاقد مع الخبراء الخارجيين تماماً مثل الأجهزة الرقابية الأخرى، وهذا في رأيي يشكل معضلة حقيقية عند مراجعة الشروط الفنية للعقود والتي تمثل أساس التلاعب فيها، لذا من الضروري النظر في مسألة التعاقد مع خبير خارجي.
ثالثاً/ حسب تصريح الهيئة، فإن المورد كان مسؤولا سابقا في الوزارة، وهذا يؤثر على نزاهة التعاقد حتى وإن لم يكن هناك شبهة فساد، ولكن في مثل هذه الحالات يجب حصر العقود الأخرى التي تتعلق بهذا المورد إذا كانت موجودة ومراجعتها للتأكد من سلامتها القانونية.
رابعاً/ من الملاحظات الأخرى التي رصدتها الهيئة أن مدة التوريد لا تزيد على (6) أشهر وقيمة العقد تبلغ (9.795.750) ريالا، بالإضافة إلى وجود تغيير غير معتاد في المواصفات، والسؤال المطروح هنا: هل هذه المدة كان الهدف منها التهرّب من تطبيق المادة (32) من نظام المنافسات والتي تتضمن وجوب عرض العقود التي تزيد مدتها عن سنة وتبلغ قيمتها (5) ملايين ريال فأكثر على وزارة المالية لمراجعتها؟، وفي المقابل أيضاً: أين دور الممثل المالي والذي يعتبر عضواً نظامياً في لجنة فحص العروض..ألم يلاحظ شيئاً على عقد التوريد، وهل كان استبعاد الموردين الآخرين له ما يبرره؟ أم أن العقد لم يوقع عليه من الأساس؟ أعتقد أنه من الضروري أن تتم إعادة النظر في صلاحيات ومسؤوليات الممثل المالي، وذلك لأهمية دوره في الرقابة المسبقة على العقود.
هذا باختصار ما يمكن إثارته من ملاحظات وأسئلة حول قضية عقد توريد (كراسي مرضى الكلى)، فالأمر متعدد الجوانب، ويتعلق بالمنظومة الرقابية ككل والكرة الآن في ملعب هيئة الرقابة، ونحن ننتظر ما تسفر عنه نتائج التحقيق والتي من الضروري أن تعرض على الرأي العام من خلال نشرها في الوسائل الإعلامية وبذلك نكون قد بدأنا نتعرف على مكامن الفساد بشكل أدق وأكثر وضوحاً وشفافية
موقع alwatan.com.sa

التعليقات مغلقة.