تطبيع الفقر

تطبيع الفقر

أن يوجد فقر فلا يعني ذلك بالضرورة عموم الفساد، فسنة الله تعالى مضت في عباده أن يكون فيهم فقراء، كما يكون فيهم أغنياء، والناس في عقولهم وطباعهم وقدراتهم متفاوتون، والله قسّم بينهم أرزاقهم كما قسّم بينهم عقولهم، ولا أظن عاقلاً ينازع في أن «قدراً» من الفقر ليس سببه الظلم والتعدي والفساد والاستغلال والاحتكار، كما أن منه ما سببه ذلك قطعاً، ولا يمكن محاربة الفقر إلا بمحاربة تلك الأسباب، والخلط بين هاتين الدرجتين للفقر فيه تلبيس ومغالطة ومراوغة، فثمة من يتغابى ويتعامى – قصداً – عن الثاني، ليعمم حالته الأولى، ويجعل انتشار الفقر قدراً مقدوراً، لا تهمة لأحد فيه.

إن ثمة أسباباً بشرية وسّعت دائرة الفقر بلا شك، بل سحقت كثيرين إلى حضيضه، وعملت قصداً في جعل المال دُولة بين الأغنياء، واستنزفت المال العام، وابتزت الأموال بالاحتكار وبصور كثيرة من أكل أموال الناس بالباطل.

لِم إذاً مكافحة الفساد المالي والإداري؟ أليس من تبعاته انتشار الفقر، واستفحال أسبابه، وتآكل الطبقة الوسطى؟ لِم يقال في أمر الفقر ما لا يقال في شأن ظاهرة الغلو والتطرف والعنف؟ ما الذي يسوِّغ لك قولك عن الفقر: إنه سنة الحياة وقَدَر محتوم، فلا بد من التعايش معه، ولا يسوِّغ لغيرك أن يقول مثل قولك هذا في شأن ظواهر العنف والغلو والتطرف، إنها هي الأخرى سنة من سنن الحياة، لأن العقول والأفهام تتفاوت فلنتعايش معها، ولا يجوز أن نجعلها خطيئة مناهج في التفكير خاطئة؟ فإن قلت إن الله قسم بين الناس معايشهم، وجعل منهم فقراء وآخرين أغنياء، فلغيرك أن يقول إن الله – سبحانه – قسم بينهم عقولهم، فمنهم الذكي ومنهم الغبي، ومنهم الحكيم ومنهم الأحمق، فلماذا تُجهد نفسك في محاربة انحرافات العقول والفهوم؟

ثمة من يحاول توظيف الدين لتدجين العقول، وتطبيع الناس على تقبّل الفقر كالقدر المقدور الذي لا محيص عنه، وأن الفقر أيسر طريق يوصلهم إلى الجنة، وأنه أفضل لهم من الغنى وسعة الرزق، يريد من خلال ذلك أن يوصل إليهم رسالة فيها دروشة وتسطيح للعقول، إن محاولة الخروج من ربقة الفقر تعني انفتاح أبواب الفسق والفجور، وإن الصبر على الفقر خير من استصلاح أحوال الناس، وهكذا تُفهم النصوص الشرعية على هذا النحو الساذج، أو يُراد للعامة أن يفهموها كذلك. والشرع بريء من هذا كله، ولا يرضى لأتباعه الفقر، ونصوصه إنما توجب على الفقير الصبر الذي يمنعه من التسخط، وليس الصبر الذي يُقعد رجالات المجتمع عن إصلاح الخلل الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ولا يخرج الفقر عن أن يكون مصيبة من المصائب، وليس في الأمر بالصبر على المصيبة حث على الاستسلام لها، وحين يعد الله الصابرين الأجر العظيم على ما يصيبهم، فإن العقول السوية تفهم أنه سبحانه لا يدعوهم إلى التسبب لها أو تمنيها، فكذلك شأن الفقر، ومن هنا قال علي – رضي الله عنه – قولته الشهيرة: «لو كان الفقر رجلاً لقتلته».

لك أن تقول لفقير ضعفت حيلته وضرب عليه الفقر بأطنابه: اصبر وارض بقضاء الله وقدره، لكن ليس لك أن تقول لمؤسسات المجتمع وأجهزة الدولة: الفقر في مجتمعنا قدَر سابق وسنة ماضية، وليست عليكم تبعة ولا مسؤولية أن تكافحوه وتعالجوا أسبابه. أليست ثمة أيدٍ تعمل في إفقار الناس بجشعها واستغلالها وفساد ضمائرها؟ فهل يقول قائل: إن السكوت عنها سكوت عن قضاء ماضٍ في الخلق لا حيلة في دفعه؟

 

بقلم : سامي الماجد

نقلاً عن صحيفة “الحياة”

التعليقات مغلقة.