الأردن … تفشي الفساد الصغير

الفساد الصغير

مؤسف جدا ما يسمعه المرء ويراه يوميا في أوساط القطاعين العام والخاص في البلاد، من ممارسات تصل إلى مستوى التجريم، وتتعلق بالرشوة والمحسوبية والواسطة، وغيرها من الجرائم التي تنضوي ضمن الفساد بأشكاله الاجتماعية والاقتصادية المتعددة.
هذه الممارسات تطال كل المستويات، ولا يبدو أنها تنحسر بتطبيق القانون وملاحقة مرتكبيها. بل إن الاتصالات والأحاديث التي تتم في العلن تشير إلى وجود قصدية مباشرة ونية، لا تلتفتان للقانون أو تحسبان له حسابا. فذاك مسؤول يوصي بنقل قريب له، وتعيين آخر على حساب من انتظر طويلا في قوائم الباحثين عن فرصة عمل بعد التخرج من الجامعة؛ وشخص ثان يقدم رشوة في وضح النهار بعد حصوله على خدمة هي بالأساس حق له، لكنه نالها بطرق التفافية.
وتؤكد دراسات تعرض مواطني 11 دولة عربية، من بينها الاردن، لانتشار الرشوة. كما أن واحدا من بين كل أربعة في العالم دفع رشوة خلال تعامله مع مؤسسات ترتبط بالقطاع الخدمي الحكومي والأحزاب والبرلمان والشرطة والتعليم والصحة، ومؤسسات اقتصادية خاصة.
وما يدعو للقلق أن السنوات الثلاث الماضية شهدت اتساعا على المستوى المحلي، في بروز هذه الجرائم الاجتماعية والاقتصادية، رغم أنها سنوات شهدت احتجاجات واسعة ضد الفساد بكل أشكاله، بوصفه سببا في معاناة الأردنيين. ولا فرق هنا بين فساد صغير وآخر كبير؛ فكلاهما يزيدان من تعقيد الحياة الاقتصادية، ويقللان فرص حصول المواطنين على حقوقهم والخدمات المأمولة من الدولة، وقطاعيها العام والخاص.
في التحليل، يمكن القول إن المجتمع متواطئ ضد نفسه؛ إذ يزايد في الجلسات العامة بحديث النزاهة، بينما الكل ينتهك حقوق الكل! والأكثر غرائبية في هذا المشهد المفتوح على الفساد الصغير، هو تجاهل القانون وضعف تطبيقه لتقييد هذه الممارسات، وبما يجعل المرء تابعا لثقافة تؤمن بالرشوة والمحسوبية والواسطة في سبيل الحصول على الحقوق والخدمات. فإذا كان المجتمع لا يصغي للقانون في هذا المجال، فكيف سيلتزم بالشروط التي تتحدث عنها الدولة ولجانها المتعددة بخصوص النزاهة؟
المسؤول ومثله المواطن، إلا من رحم ربي، يسلكان طرقا التفافية، ويحصلون على ما يريدون بتجاوز القانون. وآخر ما رشح من تجاوزات، هو ما كشفته هيئة مكافحة الفساد الشهر الماضي، ويخضع للتحقيق حاليا، ويتعلق بالتزوير والتلاعب بنتائج امتحان الاختصاص لمئات الأطباء. وأهم ما في هذه الجريمة هو ارتفاع منسوب الجرأة لدى من يحاول كسر القانون والنظام. فإذا لحقت الجريمة بامتحان الاختصاص لأطباء، فإلى أين سيصل مسار العبث هذا؟ وأين هي الخطوط الحمراء التي تردع مثل الجرائم؟
الفساد الصغير يستشري في أوصال الدولة منذ زمن بعيد. وتبدو قدرة المجتمع على تقييده محدودة، إن لم تكن غائبة. والمأمول أن تتحرك مؤسسات المجتمع المدني ومعها القانون، لنشر ثقافة جديدة، تحاول أن ترسخ في أذهان الأجيال المقبلة ما فات ترسيخه لدى أجيال تعبث اليوم باقتصادنا ومجتمعنا.

بقلم : حسن احمد الشوبكي

موقع alghad.com

التعليقات مغلقة.