تزوير واختلاس وهدر في المال العام… هل هو خريف وزارة الأشغال العامة والنقل في لبنان؟؟

وزارة الاشغال العامة في لبنان

تزوير واختلاس في وزارة الأشغال العامة والنقل، خبر ليس بغريب أو مستبعد عن وزارة ليس من المبالغة القول بأنها تعيش خريفاً طال أمده، لا سيما منذ تولي الوزير العريضي زمام أمورها، وحتى يومنا هذا، إذ ان الفضائح والشوائب تنخر فيها من كل حدب وصوب، وجميعها تصب تقصيراً وحرماناً في حقوق المواطنين.
ففي الأسبوع الماضي، ادعى النائب العام المالي القاضي الدكتور علي ابراهيم على عدد من موظفي وزارة الأشغال العامة بجرم التزوير واختلاس المال العام والإهمال بواجبات الوظيفة. وأحال الملف الى قاضي التحقيق الأول في بيروت غسان عويدات. وقد تضمن الملف الإفادتين اللتين أدلى بهما وزير المال في حكومة تصريف الأعمال محمد الصفدي ووزير الأشغال المستقيل غازي العريضي حول الأشغال في نفق المطار وفي مجمع رفيق الحريري في الحدث الجامعة اللبنانية اللذين غرقا في الأمطار في كانون الأول الماضي.
لكن لم تكن العاصفة “ألكسا” وغرق نفق المطار والجامعة اللبنانية، الحادثتين اللتين سلطتا الضوء على أداء وزارة الأشغال المثير للشبهات، فالقصة قديمة وتعود الى منتصف تموز الماضي، حين كان وزير الداخلية والبلديات مروان شربل يقوم بزيارة تفقدية الى مباني سجن رومية لرؤية سير الأعمال والتلزيمات، لاسيما أشغال الصيانة في المبنى “دال” التي ألزمتها الحكومة الى شركة “إكسا بيتن”، بملايين الدولارات، فيما قامت الأخيرة بتوفير الأموال، فجاء عملها منقوصاً على نحو فاضح، ويومها قال الوزير شربل جملته الشهيرة “إننا أمام واحدة من أكبر عمليات السرقة والنصب على عيون الدولة والحراس”، معتبراً ان ما تم إنجازه هو أقل بكثير من الأموال المصروفة، وان الأعمال التي تمت لا تراعي أبسط المبادئ التي تعتبر السجين إنساناً يتمتع بأدنى الحقوق. وعلى اعتبار ان مديرية الأبنية في وزارة الأشغال العامة هي التي تقوم باستدراج العروض، وقعت إزاء تصريحات شربل سجالات بينه وبين زميله العريضي الذي رد معتبراً أن “مشكلة سجن رومية متشعّبة بكل الروائح الكريهة في الدولة”، ثم كأي فضيحة فساد في هذا البلد تسلطت الأضواء عليها لأيام لتحال بعدها الى أدراج النسيان.
وانتهى الصيف، وجاء الشتاء ببرده وعواصفه، وربما هي رأفة الله بنا أنْ حرمنا هذا العام من الأمطار، لأنه تعالى على يقين بحجم الكوارث التي ستقع في بلد غير مجهّز لإستقبال الأمطار الصيفية، فكيف بعواصف الشتاء وثلوجه؟ إلاّ أن الأمر لم يخلُ من ضيفتنا العاصفة “الكسا” وابنها “يورغو” اللذين ما إن وصلا حتى طاف البلد وتحول الى مسابح متنقلة، بشهادة مقاطع الفيديو التي تناقلها الناس عبر شبكات التواصل الإجتماعي: فهنا دولاب هواء يعوم، وهناك فتى يسبح، وفي البعيد عائلة تغرق في منزلها… أما الفضيحة الكبرى فكانت غرق نفق المطار!
وفي ذلك الوقت أطل الوزير العريضي على الشاشة معتذراً من اللبنانيين، ومعلناً تحمل وزارة الأشغال المسؤولية، وهي التي كانت قد ألزمت شركة “ميز” بأعمال الصيانة والتأهيل التي ردت بأن تقصيرها جاء لأنها لم تنل مستحقاتها المادية.
وفي السياق عينه وقعت عاصفة من الاتهامات المتبادلة بين كل من الوزيرين غازي العريضي ووزير المال محمد الصفدي. فقد حمل العريضي بعنف على الوزير الصفدي، وأشار الى ان الصفدي عندما كان وزيراً للأشغال العامة ارتكب مخالفة في البربارة، وبنى ميناء من دون ترخيص أو إجازة، وعرقل كل الطلبات التي تقدمت بها وزارة الأشغال لتنظيف مجاري المياه قبل الشتاء (…)!
ولم يتوانَ الوزير الصفدي عن الرد على اتهامات العريضي، داعياً الى تأليف لجنة من التفتيش المركزي والقضاة والسياسيين ووسائل الإعلام، ليتأكدوا من أن بيته مرخّص وقانوني، غامزاً لأملاك العريضي في بيصور، وهو الذي كان في الأساس صحافياً من أسرة متواضعة ومغمورة، وبات اليوم من ملاكي القصور ومن أغنى أغنياء المنطقة هناك.
الناس التهت بالإتهامات المتبادلة بين الوزيرين، التي لم تخلُ من الرسائل السياسية المتبادلة، ولكن البعض غفل عن “ميز” هذه الشركة المحظية التي يرأس إدارتها نائب في البرلمان اللبناني هو “غازي يوسف” والتي تعمل برأسمال عام، فهي تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، كما أنّ أكثرية أسهمها مملوكة من قبل مصرف لبنان. في حين أن الشركة ذاتها تعمل بأموال كل اللبنانيين من خلال اعتمادات يصرفها مجلس الإنماء والإعمار التابع لرئاسة الحكومة عبر موازنة وزارة الأشغال العامة والنقل.
بعد فيضان النفق، صرّح العريضي بأنه اكتشف بأن شركة “ميز” تعمل بشكل مخالف للقانون منذ سنوات طويلة، وأن أحد المسؤولين في الشركة أعلمه بآلية السرقات فيها، وهنا السؤال يوجه للوزير العريضي: أليس تلزيم شركة يرأسها نائب في المجلس النيابي لأعمال ذات منفعة عامة هو بحد ذاته أمر مخالف للقانون؟
منذ فترة أصدر الوزير غازي العريضي كتاباً عن وزارة الأشغال العامة والنقل تضمن أسماء جميع الأشخاص المتعدين على الأملاك العامة البحرية، ولكن ماذا عن التعديات التي تمت بمباركة من وزارته في عهده في طرابلس والميناء وغيرها؟
واليوم تطل الى العلن قصة ميناء الدالية، التي قامت وزارة الأشغال بتلزيم إحدى الشركات مشروع إنشاء ميناء جديد من أجل الصيادين، على الرغم من أن المسألة فيها مخالفة للقانون، لكن بعد ستة أشهر من بدء المشروع، توقف العمل عليه، بعدما رفع آل الحريري الدعوى على الصيادين بتهمة “البناء في أملاك الغير”، فتوقف كل شيء الى ان يصدر الحكم. فإن جاء لصالح آل الحريري سيصار الى إلغاء المشروع وسيتم دفع التعويضات للشركة الملزّمة، وبالتالي سيضاف الى وزارة الأشغال العامة تهمة جديدة وهي هدر المال العام.
وفي النهاية وفوق جميع الإخفاقات، استقال الوزير من الحكومة المستقيلة، تاركاً العديد من علامات الإستفهام هنا وهناك حول أدائه، من الهدر الى المخالفات الى التقصير والإهمال، ولعل أكثر من يذكر إهمال الوزير له هو المجلس البلدي المنحلّ في الميناء الذي دأب منذ العام 2010 على بعث الكتب والمراسلات التي تتضمن مشاريع إنمائية للمدينة، ومع ذلك لم يلق الآذان المصغية.
إذاً في “زمن العدالة” كما يقال، وفي حين يحتل لبنان الرقم 127 على لائحة الدول الفاسدة في العالم، نجد أن توجيه الاتهام الى أحد موظفي الوزارات في دولتنا الفاسدة خطوة جيدة تبعث الأمل في النفوس، بأن يصبح هذا اللبنان في يوم من الأيام وطناً لأبنائه، ولكن حتى يتمّ تحقيق ذلك يجب ألا تقتصر الملاحقات والإدعاءات على الموظفين “الصغار” بل أن تمتد لتطال “الكبار” وتجري محاسبتهم ورفع الحصانة عنهم، وإبقاء المواطن اللبناني على بيّنة من أبرز التطورات في قضايا السرقات التي تُرتكب على حسابه ومن جيبه، وإلاّ فنحن لا نكون قد غيّرنا شيئاً.

موقع albayanlebanon.com

التعليقات مغلقة.