انتبهوا إلى خطورة انتشار الرشوة

الرشوة في سوريا

تذكر في أول زيارة لي لدمشق في أوائل التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم، وقفت عند نزولي من الطائرة في طابور أمام «كاونتر» الجوازات . لفت نظري أن جميع من كانوا قبلي في الطابور يضعون مبلغاً من المال داخل جوازاتهم كرشوة لمأمور الجوازات. ارتبكت خشية من أنني لو فعلت ما يفعلون أكون قد عرضت نفسي (لتهمة) محاولة رشوة موظف رسمي، فلم تمر علي أن موظفي جوازات المطارات يرتشون علانية دون أدنى اهتمام بالمساءلة فضلاً عن المحاسبة رغم أنها رشوة (مصلعة). عندما جاء دوري قدمت جواز سفري إلى مأمور الجوازات (حافاً)، أي دون أن يكون في داخله (هدية) أو في أعرافهم (إكرامية). نظر إليّ المأمور مستغرباً من (بخلي) أو قل: (وقاحتي)؛ فكيف أجرؤ وأنا قادم من بلد غني كالسعودية على أن أقدم جوازي حافاً، ثم وضع جواز سفري (على جنب)، وقال بلهجته : (زيح شوي)، فامتثلت لأوامره و (زحت شوي)، وأتى من يقف ورائي في الطابور وقدم جوازه فختمه ومشى، وأتى آخر وقدم جوازه و ختمه المأمور ومشى، وأنا (زايح شوي اتفرج) . تنبّه أحد السعوديين ممن كانوا في الطابور إلى أنني مرتبك و(غشيم) في مثل هذه المطارات من بلاد العالم، فالتفت إلي وهو في طريقه إلى المأمور وقال بلهجة سعودية : (يا ابن الحلال سَنّع الرجال واخلص) .اقتربت من نافذة المأمور الصغيرة، وبأدب حنيت رأسي وقلت هامساً : ممكن جواز سفري لو سمحت أريد أن أتأكد من موضوع فيه وأعيده إليك . ناولني الجواز بسرعة، فوضعت فيه (مائة ريال) ثم أعدته إليه، فختمه وأعاد الجواز ومعه ابتسامة عريضة.. ويبدو أن مبلغ المائة ريال كان كبيراً؛ فالمفروض حسب الأعراف (المرعية) هناك أن تكون (الإكرامية) بين عشرة إلى عشرين ريالاً على الأكثر، ما جعل (مأموري الجمارك) الذين كانوا يراقبون الركاب عن كثب يكتشفون أن صيداً ثميناً قد حل في ديارهم وهو في طريقه إليهم، فتركزت علي الأنظار؛ وما إن تناولت حقيبة ملابسي حتى تقدم إلي مأمور الجمارك وقال : (ممكن تيجي معي؟) . تبعته وأنا أسحب حقيبة ملابسي إلى حيث يفتشون الحقائب، طلب مني قبل أن يفتش حقيبتي جواز السفر، فوضعت فيه مائة ريال أخرى وناولته الجواز بلا أي خوف أو اكتراث هذه المرة؛ فأخذ المبلغ دون أن يمس محتويات الحقيبة وأعاد الجواز ومعه ابتسامة قائلاً : (تفضل) ! ثقافة الرشوة، أو (ادهن السير يسير)، عندما تنتشر وتتفشى، وتصل إلى كل مفاصل الدولة بلا استثناء، وتلقاك أول ما تلقاك في المطارات والموانئ وكل مراكز الدخول إليها، فإن هذه الدولة، أو هذا النظام، لا يمكن إطلاقاً أن يستمر، سوف يتراكم هذا الفساد مع الوقت ويتفاقم شيئاً فشيئاً، وما إن يصل إلى نقطة معينة، تكون كالقشة التي قصمت ظهر البعير، سوف يتلمس أي سبب حتى وإن كان تافهاً ليُفجّر استقرار المجتمع.. ما يجري الآن في سوريا، كان نتاجاً طبيعياً ليس للدولة البوليسية أو دولة القمع فحسب، وإنما – أيضاً – نتيجة للفساد المالي والإداري الذي تحول إلى ثقافة تكرست وتجدرت حتى أصبح كل من تولى مسؤولية في الجهاز الإداري، سواء من هم في قاع هذا الجهاز أو في مستويات أعلى، (نـَهّاباً) بامتياز؛ فمن غير الطبيعي ألا يستغل وظيفته ويمر عليها مرور الكرام وليس اللئام طالما أن الجوع كافر . في بلادنا لم نصل إلى مرحلة أن يرتشي رجال الأمن أو الجمارك (عينك عينك)، وإن حصل شيئاً من هذا القبيل فهو مازال في نطاق ضيق؛ غير أن هناك بعض الجهات الحكومية الخدماتية قد استشرت فيها الرشوة، وبدأت تتفاقم، حتى أصبح (المُعقب) الذي ينهي المعاملات الحكومية للأفراد والمنشآت التجارية في الدوائر الحكومية تتحدد أجور تعقيبه على حسب نفوذه ووساطاته في هذه الدائرة الحكومية أو تلك . وهنا لا بد من القول : إن ظاهرة الرشوة في المجتمعات تُفرزها أسبابٌ متعددة، أهمها على الإطلاق أن يكون ما يتقاضاه الموظف الحكومي من راتب أو أجر لا يُلبي الحد المعقول للمعيشة . عندها سيجد الموظف (ألف طريقة وطريقة) للتحايل على الأنظمة والقوانين، وكذلك أجهزة الرقابة مهما كانت مشددة وعقوباتها قاسية، ليُلبي حاجاته المعيشية الملحة ويرتشي . وفي المقابل سيضطر المواطن أو المقيم – مهما كان شريفاً – أن يُلبي طلب الرشوة ويرشي؛ من هنا تنتشر الرشوة وتتفشى. ولكي لا نصل إلى هذه المرحلة، ونهيئ الأسباب – دون أن نعي – لتفشي هذه الظواهر الخطيرة التي من شأنها إذا ما تفشت أن تنسف استقرار المجتمعات، لا بد من إعادة النظر بجدية في زيادة رواتب موظفي الحكومة بشكل دوري بما يتواءم مع معدلات التضخم؛ حتى ولو اضطررنا لتلبية زيادة الرواتب – إذا كان ولا بد – إلى فرض ضريبة على بعض السلع (الكمالية)، أو عالية الكمالية، لكي لا تتأثر من فرضها الطبقة المتوسطة فضلاً عن محدودي الدخل . المهم أن نقتنع أن الرواتب الحكومية الآن لا تكفي، ولا بد من مواجهة هذا الحقيقة بجدية كي لا يتفاقم الفساد. إلى اللقاء..

نقلا عن الجزيرة

التعليقات مغلقة.