صراع حذر لتخليص ليبيا من وحل الفساد

ليبيا فوضى المليشيات

فقد مبلغ كبير من المال مخصص لإحدى السفارات الليبية في آسيا، وتحدث طارق الوليد الموظف المسؤول عن مكافحة الفساد في وزارة المالية الليبية مع الملحق الثقافي في السفارة، عن كيفية البحث عن هذه الأموال. في هذه المقابلة يطلب من هذا الموظف الجديد أن يكون حريصاً، وأن عليه أن يكتب ملاحظات كثيرة، وألا يثق بأحد.

إن مكافحة الفساد في مؤسسات ضمن دولة لا يحكمها القانون مثل ليبيا، هو فن أكثر مما هو علم، ويحتاج إلى درجة معينة من اللياقة السياسية.

يقول المحامي أنيق المظهر الذي جاء من بنغازي ويبدو أنه في أواسط العمر: “لا أستطيع بالضرورة مكافحة الفساد بحكم منصبي في الوزارة. ولكني أفعل ذلك من خلف الستار، من خلال مؤسسات أخرى. أنا أذهب وأكتب الشكاوى وأعطيها إلى مؤسسات أخرى تعلن عنها، ثم تستخدمها ذخيرة لها، وأنا لا أبرز باعتباري الوجه الممثل لهذه القضايا جميعاً”.

كانت ليبيا الثرية بالنفط منذ زمن بعيد واحدة من أكثر بلدان العالم فساداً، فأصبحت أكثر فساداً منذ أن أطاحت الثورة بمعمر القذافي في عام 2011 بمساعدة من حلف الناتو.

صنفت مؤسسة الشفافية الدولية ليبيا في المرتبة 172 من بين 177 بلداً في العالم على مؤشر تصور الشفافية، أي أقل من ست درجات مقارنة بعام 2012. يُبرز هذا الانخفاض المستويات الكئيبة التي وصلت إليها ثقة الجمهور بقادة البلاد الجدد، ويؤكد المخاوف من أن الحكم الضعيف يمكن أن يزيد القلاقل في هذه الدولة الواقعه في شمال إفريقيا، والتي ما زالت تكافح للوقوف على قدميها.

وليد مقاتل بيروقراطي شرس عايش الثورة من بداياتها، واستطاع شق طريقه ليصل إلى منصب المصلح الموثوق به في الصراع ضد الفساد. عمل مستشاراً في كل من نظام القذافي والحكومة الانتقالية التي حلت محلها، قبل أن يعود إلى عمله القديم كرئيس للدائرة القانونية في وزارة المالية في عام 2012.

وليد يفسر حماسته للقيام بهذه المهمة العظيمة لمكافحة الكسب غير المشروع وتبذير الأموال: بأن “محاربة الفساد هي قبل كل شيء واجب ديني، كما أنه واجب وطني”.

يوجد في البلاد أصلاً هيئة لمكافحة الفساد تضم 200 موظف، ولها ميزانية تقدر بنحو 20 مليون دولار في السنة، ولكن ينظر إليها الدبلوماسيون والنشطاء على نطاق واسع على أنها غير فعالة. يقول الناس الذين يعرفون وليد، إنه يمتلك ميزة مهة واحدة، هي معرفته بالطريقة التي يعمل بها النظام في ليبيا. قال كريستوف ويلكي، مدير مؤسسة الشفافية الدولية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي قابل وليد في أيلول (سبتمبر): “يبدو أنه من الذين عملوا فترة طويلة في الحكومة الليبية، ومن الذين عاصروا عدة ألوان من الحكومات”. إذهب إلى أي مكتب عادي في طرابلس في أي وقت تشاء في اليوم، وستكون محظوظاً لو وجدت موظفاً جالساً على مكتبه. على العكس من ذلك، ستجد مكتب وليد مليئاً بالنشاط مثل خلية النحل، يتدفق عليه سيل لا يتوقف من المسؤولين الذي يهمسون في أذنه بمعلومات ويسألونه النصيحة.

وهو يقول إن العجز داخل حكومة ما بعد القذافي يضرب بجذور عميقة. لا توجد هنا ثقافة العمليات الحسابية ولا مساءلة لأحد. ويقول: “من ناحية قانونية، يجب حساب السنة المالية وتدقيقها بعد ستة أشهر من انتهائها، لم يحدث هذا أبداً، ولا حتى في أيام نظام القذافي”. لم تعمل الفوضى التي رافقت حرب عام 2011 إلا على زيادة افتقار ليبيا للضوابط في المالية العامة. يصف وليد مبلغ 12 مليار دولار الذي أنفق في عام 2011 على عمليات الحكومة الانتقالية المقيمة في بنغازي، التي كانت عاصمة للثوار بقوله: “لا نعرف حتى هذه اللحظة كيف أنفق هذا المبلغ، ومن أية ميزانية وعلى من كان الإنفاق الحقيقي وعلى ماذا أنفقت”.

قالت السلطات في العام الماضي إنها أنفقت في عام 2012 نحوا 1.4 مليار دولار في ثلاثة أشهر على الرجال الذين قيل إنهم أصيبوا في قتال نظام القذافي، وقد وجد محققون أن بعض من تلقوا هذه الأموال كانوا في صحة جيدة، وآخرون كانوا من بين الأموات.

التزمت الحكومة التي تبلغ ميزانيتها السنوية 52 مليار دولار لسكان يبلغ عددهم ستة ملايين نسمة، بتدريب موظفيها بحيث يصبحون قادرين على خدمة بلادهم بصورة أفضل. ومع ذلك لم تخلق الموارد سوى فرص جديدة للكسب غير المشروع، سواء في الداخل أو الخارج، حيث أرسل الموظفون لتلقي التدريب، ولكنهم كانوا يبذرون الأموال العامة هناك.

قال وليد: “انتهى المطاف بهم إلى أن يأخذ الواحد منهم مبلغ أربعة أو خمسة آلاف يورو، ليذهب هو وزوجته وأطفاله لرحلة في الخارج. وكانوا يذهبون للفرجة والتسوق، وحتى أنهم لم يحضروا إلى أماكن التدريب، ولم يكن معهم أحد لمراقبتهم أو يتحمل مسؤولية مساءلة من لم يحضر منهم. كان هذا يحدث دائماً”.

يبدو أن انتشار المليشيات المسلحة هو أكبر هذه التحديات حيث تمكنت الكتائب التي تصف نفسها بـ”الثورية” من ابتزاز الحكومة ودفعتها لمنحهم رواتب عالية نسبياً لتوفير الأمن. وقال وليد: “حسب القانون الليبي الحالي يُسمح لهم بحق الحصول على 10,000 دينار ليبي ( أي نحو 8,000 دولار) دون أنظمة أو شروط. توجد الآن أموال تزيد على ذلك وتعطى للكتائب. هل تعلم أن الأموال تُدفع الآن نقداً للكتائب في أكياس كبيرة؟ وأنا لا أعرف كمدير للدائرة القانونية، من هو الذي ينفق هذه الأموال وكيف تُنفق؟”.

ويُضيف أن أغلب القضايا غير المكتشفة يتم التستر عليها، ونادراً ما تصل إلى قاعة المحكمة التي لا تستطيع على أية حال أن تقدم حلاً شافياً في دولة مثل ليبيا.

قال وليد: “ذكر تشرشل مرة عبارة مهمة قال فيها إن آخر رجل يجب أن يغادر السفينة الغارقة هو القبطان. يجب أن يكون القاضي هو آخر شخص يرتكب جريمة الفساد، ولكن ماذا تتوقع إذا كنت تعيش في مجتمع حتى القضاء يعاني فيه الفساد؟”

المصدر فاينانشال تايمز

التعليقات مغلقة.