الفساد المسكوت عنه ..

الفساد المسكوت عته

طالعتنا إحدى الصحف اليومية مؤخراً بخبرين على صفحتها الأولى، لكل منهما صلة بالآخر، ولعل سائر الصحف اليومية نقلت الخبرين في مواضع مختلفة من صفحاتها. الخبر الأول يقول: (13جهة حكومية تتصدى للفساد الإداري)، وهو منقول عن رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ويعلن فيه أن (13) جهة حكومية، منها: وزارات الداخلية، والعدل، والمالية، والخدمة المدنية، والثقافة والإعلام، وديوان المظالم، وديوان المراقبة العامة، وهيئة الرقابة والتحقيق، وهيئة التحقيق والإدعاء العام، بالإضافة إلى المديرية العامة للمباحث، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إلى جانب نزاهة، ومعهد الإدارة العامة، اجتمعت؛ لبحث سبل مكافحة الفساد الإداري ومدى فعالية الأنظمة والتعليمات المتعلقة به، والمعوقات التي تحول دون مكافحته.

إن مكافحة الفساد غدت ثقافة عامة يمارسها الجميع، وإن المؤسسات العامة ومؤسسات المجتمع المدني تعتبر ذلك من مسؤولياتها، ليس في مجال اختصاصها فقط، بل وفي ممارسات الجهات الأخرى ذات العلاقة بحقوق المواطنين والخدمات المقدمة لهم

أما الخبر الثاني، فهو في نفس الصفحة، فيقول: (سجن موظف وأكاديمي نتيجة الرشوة واستغلال النفوذ)، وذلك على خلفية استغلال النفوذ الوظيفي، والتزوير؛ لتخليص معاملة أرض.

اللافت في الموضوع علاوة على ارتباط الخبرين، هو أن الفساد الإداري كان من ضمن الأمور المسكوت عنها، حتى وقت قريب، وإن تم الحديث فيتم في سرية وبأصوات خافتة، يتطلع صاحبها يميناً وشمالاً حتى لا يسمعه أحد ممن يفهمونها (إياك أعني واسمعي يا جارة)، أو كما يقول المثل العامي (اللي على راسه بطحه يحسسها)، ومجرد تناقل الخبرين عن طريق الصحف الرسمية وبصورة علنية، فإن ذلك نفسه هو مكافحة الفساد، مما يعني أن الرأي العام أصبح جهة رقابية على الفساد والرشوة والتزوير واستغلال النفوذ يحسب حسابها، وأن مكافحة الفساد غدت ثقافة عامة يمارسها الجميع، وأن المؤسسات العامة ومؤسسات المجتمع المدني تعتبر ذلك من مسؤولياتها، ليس في مجال اختصاصها فقط، بل وفي ممارسات الجهات الأخرى ذات العلاقة بحقوق المواطنين والخدمات المقدمة لهم.

كما أن الأنظمة والتعليمات التي يتم وضعها لمكافحة الفساد، تخضع للمراجعة حيناً بعد حين؛ للتأكد من فعاليتها والمعوقات التي يواجهها وضعها موضع التنفيذ؛ لضمان التصدي لما يمارسه الفاسدون من أساليب يحاولون من خلالها تمرير فسادهم، وتحقيق مصالحهم على حساب حقوق الدولة والمواطنين.

لقد كانت مكافحة الفساد دائماً في بؤرة اهتمام ولاة الأمر، إلا أن ذلك لم يحل دون قيام ضعاف النفوس بهذه التصرفات، ورغم محاسبة من تم اكتشاف ألاعيبهم إلا أن ذلك لم يمنع تكرارها، ولعل الاهتمام والتنسيق -كما هو حاصل في هذا الملتقى- يجد العلاج الناجع لهذا الداء الذي ينخر في جسم المجتمعات -كل المجتمعات-، ويحول دون تفشي أضراره في الجسد كله، لأن مجرد السكوت عن الفساد هو الفساد بعينه.

*نقلا عن اليوم

التعليقات مغلقة.