طريق مسدود لمكافحة الفساد

الفساد يضعف هيبة الدول

لم يعد خافيا على احد أن ظاهرة الفساد الإداري والمالي من اخطر الظواهر التي تؤدي لانهيار الاقتصاد وتأخر الدول . فإذا أردت بقوم سوء فازرع بينهم قيم الفساد من محسوبية ورشوة وبيروقراطية وقرارات مهزوزة وغيرها ، لتدفع بهم في اتجاهات لا تحمد عقباها فلا يرون طريق النور إلى النمو الاقتصادي أو العدالة الاجتماعية.

الغريب أن مصر بعد ثورتين أصبحت تواجه منعا مع سبق الإصرار لأي خطوات من شأنها محاربة الفساد ومواجهة كافة صوره وأشكاله ، ففاجأتنا لجنة الخمسين لتعديل الدستور بإلغاء المادة 204 في دستور 2012 والمتعلقة بإنشاء المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد، وهو ما يشكل ردة للخلف وتكريس لاستمرار الفساد وانتشاره.

إلغاء مادة مفوضية مكافحة الفساد من قبل لجنة الخمسين لم يكن له مبرر قوي ، فقد خرج علينا مؤيدو القرار بحجج – أقل ما توصف به أنها غير مقنعة – فقالوا أنه كان من الضروري إلغاء تلك المفوضية لأنها تحمل الدولة أعباءً مالية، وهنا كان من الأولى بهم أن يلتفتوا لما ستحققه المفوضية من عوائد لمنع إهدار المال العام – على الأقل . وقالوا انه لدينا العديد من الأجهزة الرقابية والمفوضية ليست ضرورة، متناسين أن التنسيق بين الأجهزة الرقابية يحتاج لمظلة أعلى مستقلة تتولى مسئولية التنسيق فيما بينها ، كما أن وجود الهيئات الرقابية الحالية لم يمنع تفشى الفساد بل إن الفساد قد نما وترعرع في كنف هذه الهيئات الرقابية الموجودة حاليا منذ ثلاثين عاما.

قالوا أيضا إن الاتفاقية الدولية لا تلزم بإنشاء مفوضية لمكافحة الفساد، إنما تنص على أن يتم إنشاء جهات لمكافحة الفساد والرقابة، وتناسوا أيضا أن وجود مفوضية لمكافحة الفساد لمصلحة مصر أولا وليس لإرضاء دول أو تنفيذا لاتفاقيات، كما أن إنشاء الهيئة سيكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد المصري لأنه طريق لا بد منه لضمان مزيد من التحسن الاقتصادي ، كما يعد مؤشرا مهما في تقدير موقع مصر الدولي في تشريعات وإجراءات مكافحة الفساد.

إن الفساد هو أكبر ما عانيناه خلال الأنظمة السابقة، وكان لزاما علينا أن ننشئ مفوضية مستقلة تحارب الفساد الذي طال كل أجهزة الدولة. وكان لزاما على القائمين بتعديل دستور مصر أن يكون لديهم رؤية متكاملة عن مقومات الإصلاح الإداري والسياسي في الدولة ، وتفهم أن أحد أركان مقومات الإصلاح هو محاربة الفساد بكافة أشكاله، والحد من انتشاره، لأن نشر الفساد بين الأمم أهم موانع تقدمها.

إذا كنا سنأخذ أمر إلغاء مفوضية مكافحة الفساد على محمل حسن النية ، فالأمل معقود على – أولى الأمر – بلجنة الخمسين بسرعة البحث عن حلول لمكافحة الفساد أو التراجع عن قرارهم ، فإلغاء مفوضية مكافحة الفساد يعد إصرارا على عودة تزاوج السلطة بالمال ، ويرسخ للفساد السياسي لحساب أولي المصالح. فمحاربة الفساد كان ولا زال أهم مطلب للمصريين وأهم خطوات تحقيق العدالة الاجتماعية .

محمد مندور

موقع el-balad.com

التعليقات مغلقة.