منظومة الفساد في حكم المؤسسة العسكرية

cat_11

إدارة شؤون الدولة في النظم السياسية التي يديرها مؤسسات عسكرية صريحة أو مستترة لا يمكن أن تعمل إلا في محيط من الفساد المالي والإداري والسياسي والإعلامي واسع النطاق ، بل إن الفساد هو ماء الحياة الذي تعيش فيه هذه النوعية من النظم ، وجميع التجارب في مصر وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية طافحة بذلك القانون الاجتماعي ، ففكرة عسكرة الدولة هي اغتصاب لإرادة الشعوب ومصادرة لحقها في أن تحكم نفسها بنفسها وأن تختار من يحكمها وأن تحاسب من يحكمها وأن تعزله إن أرادت ، هي مصادرة لفكرة الشعب مصدر السلطات ، ويصبح “الجيش” وأذرعه الأمنية هو مصدر السلطات ، وهذا هو منبع الفساد وجوهره الذي ينبع منه ويتفرع كل فساد آخر ، وسيطرة النظم العسكرية عادة لا تعمل إلا في الدول التي لم تكتمل فيها بنية مؤسسية قوية وناضجة سياسيا وقضائيا وتشريعيا ، ولا تملك جهازا إداريا مؤسسا على شفافية وانضباط قانوني ، كما تغيب عنها نظم الرقابة ومؤسساتها المستقلة والقوية والفاعلة ، كما تكون المنظومة القضائية مخترقة ولا تملك استقلالية حقيقية ويتم ترويض بعض “المتعاونين” فيها من خلال منافذ عديدة مثل الانتداب لأعمال معظمها وهمية مقابل أموال طائلة وأحيانا التغاضي عن تجاوزات في الحصول على أراضي وعقارات لهم أو لإنجالهم بصورة غير مشروعة وأحيانا باختيار البعض كأعضاء في مجالس إدارات أو مستشارين لأجهزة عديدة لا يؤدون فيها عملا حقيقيا ويتقاضون ملايين الجنيهات ومن ثم يصبحون طوع إرادة المؤسسة ويمثل دفاعهم عنها دفاعا عن وجودهم الشخصي وعن مصالح أبنائهم وأحفادهم ، أيضا نطاق حركة المال والأعمال يكون مترعا بالفساد واغتصاب الحقوق للدولة والأشخاص على حد سواء ، هذه البيئة تعين المؤسسة العسكرية على أن تلعب بالجميع وتضع الجميع تحت السيطرة ، ويتيح لها صناعة نخبة جديدة من المنتفعين بوجودها ، حتى يصبح حماية هذا النظام والدفاع عنه هو دفاع عن مصالح شخصية وعائلية مباشرة ، هو دفاع عن النفس ، فرجل الأعمال لا يمكنه العمل إلا في ظل حماية ورعاية من المؤسسة تجعل ظهره قويا أمام أي جهاز رقابي أو قضائي ناهيك عن أي منازعة لها طابع أهلي ، ومن ثم يدرك رجل الأعمال أن مصالحه تقتضي أن يكون خادما للمشروع السياسي القائم والدفاع عنه دفاعه عن مصالحه الشخصية ، ويتفرع عن ذلك تولية رجال أعمال مسؤولية تقديم خدمات خارج نطاق القانون في بعض الممارسات التي تحتاج إلى عمل أهلي مثل الانتخابات العامة أو توريد بلطجية وخارجين على القانون لتنفيذ أعمال لا يصح أن تتورط فيها المؤسسة بشكل مباشر ، وهناك خدمات أخرى مثل تمويل رجال أعمال لمشروعات وخطط يفترض أن لها طابع أهلي نيابة عن المؤسسة كتمويل مظاهرات احتفالية مصطنعة أو تمويل مرشحين مرغوب في حضورهم ، وأحيانا استيعاب رغبة المؤسسة في مجاملة إعلاميين أو صحفيين أو غير ذلك في نطاق مشروعات إعلامية يمولها رجال أعمال ، وكان معروفا في الصحافة القومية أن زوايا الرأي والأعمدة الثابتة يتم تحديد كتابها عن طريق “المؤسسة” ودع عنك قيادات المؤسسة ورؤساء التحرير وهناك برامج محددة في قنوات فضائية يتم فرض أصحابها بالأمر المباشر وقيادات في صحف خاصة تابعة لرجال الأعمال تولوا مناصبها بتوصيات مباشرة من المؤسسة ، وفي الجهاز الإداري للدولة لا تتم ترقية إلا أصحاب الولاء الكامل للمؤسسة ومنظومتها مهما كان تدني كفاءتهم أو حتى فسادهم ، وهم يدركون ذلك ، لهذا لا يعبأون بأي تقارير رقابية وهو ما يراكم الفساد في الجهاز الإداري للدولة وتدني الكفاءة إلى حد إحساس المواطن بالإحباط من أي إصلاح في بلاده ، وهذا ما يجعل الجهاز الإداري شريكا أساسيا في الفساد السياسي والتزوير بكل صوره لأنه يعرف أن هذه ضريبة بقائه أو نفوذه أو ترقيته ، فهو يشارك في الفساد والتزوير وتدمير الدولة دفاعا عن مصالحه المباشرة والشخصية أو العائلية ، أيضا نفوذ المؤسسة يكون حاسما في الوزارات والأعمال التي جرى وصفها بوزارات السيادة ، مثل وزارات الخارجية بمنافذها الدولية المتعددة والجهاز الأمني الرفيع ، حيث تحدد التقارير الأمنية الخاصة والخارجة عن أي إطار رقابي الوظيفة والموظف ، وتدور هنا مجالات واسعة في المجاملات لأبناء وذوي عائلات أو شخصيات يقدمون خدمات للمؤسسة ويدينون لها بالولاء المطلق ، وفي دائرة الثقافة حيث البنية الفضفاضة يتم ربط رموز ثقافية عديدة بالمؤسسة من خلال وظائف رفيعة أو تولي قيادة مؤسسات أو صحف أو مجلات أو الانتداب كمستشارين وأعضاء مجالس إدارة في أمور وهمية مقابل مئات الآلاف من الجنيهات سنويا أو حتى الحصول على جوائز رسمية رفيعة أو توسيدهم ملحقيات خارجية أو غير ذلك ، وكان وزير ثقافة مبارك “فاروق حسني” يباهي بأنه نجح في إدخال المثقفين المصريين الحظيرة ، ولم ينتبه كثيرون إلى أن الرجل في لحظة استرخاء كان يتكلم بلغة رجل المخابرات المحترف عن “حظائر السيطرة” وهو ما يحول مؤسسة الثقافة برموز كبيرة فيها إلى داعم رئيسي للمؤسسة ويرتبطون بولاء حاسم لتقديراتها وتوجهاتها وإرادتها ويمكن استخدامهم عند الحاجة لسحق أي تمرد على هيمنة المؤسسة في أي دائرة تتصل بالحياة الثقافية أو الفكرية ، وأيضا هناك سيطرة تشمل مؤسسات دينية رسمية وأحيانا أهلية وربط رجال دين ورموز دينية مرموقة بهيمنة المؤسسة من خلال تمكينهم في مناصب علمية أو إدارية رفيعة في رأس المؤسسات الدينية بدون استحقاق ، وأعرف شخصيا قصصا عن علماء دين أفاضل عاشوا في الظل لأنهم رفضوا أن يكونوا في خدمة المؤسسة وبعضهم رفض من حيث المبدأ أن يجلس إلى أي طرف أو مندوب منها في أي جهاز أمني فتم تهميشه ، وكل هذه الدائرة من الفساد تملك مفاتيحها المؤسسة وأجهزتها الفرعية الخادمة ، مثل جهاز أمن الدولة ، ويمكن لها بسهولة شديدة إنزال أي شخص يحاول الخروج من إطارها من عليائه إلى الحضيض ، ويمكن أن تنتقل به من مكانته الاجتماعية الرفيعة ووجاهته التي تملأ الساحات وضوء الشهرة إلى ظلام الزنازين وسط زفة من التجريس الإعلامي الذي يلحق به وبأهله العار إلى سنوات بعيدة . هذه الدائرة من المصالح والفساد الرسمي وشبه المقنن هي دائرة مغلقة وغير قابلة للإصلاح عمليا ولا يمكن كسرها إلا بعد ثورات شعبية تحطم شبكة علاقاتها وتحجم نفوذ المؤسسة وهيمنتها ، وهذا ما نجحت فيه في مصر ثورة يناير بشكل مبهر وخاطف وأتاحت فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة المصرية على أسس جديدة من الحرية والشفافية والديمقراطية والعدل الاجتماعي والسياسي بما يتيح نهوضا تاريخيا على مختلف المستويات للدولة والمجتمع ، غير أن قلة الخبرة وتنازع القوى التي شاركت في الثورة وغلبة تحيزات الأيديولوجيا على أولويات الإصلاح الهيكلي والمؤسسي للدولة عطلت المسار ، كما أتت تجربة الإخوان المسلمين في الحكم لتتسبب في انتكاسة حقيقية ، لأنها اهتمت بتغيير مفردات المنظومة وعناصرها بطريقة الإحلال والتجديد مع بقاء قوانينها وحساباتها ومنطق السيطرة والتحكم ، فخسرت الظهير الثوري من جانب ومن جانب آخر عمقت مشاعر المرارة من قبل عناصر النظام القديم ، الأمر الذي أتاح الفرصة لقوى الفساد القديمة التي تضررت وتهمشت بعد الثورة من إعادة الاصطفاف لإعادة المسار بقوانينه وعناصره ومفرداته السابقة من جديد ، ورغم ذلك فما زالت الفرصة متاحة بقوة أمام قوى الثورة المصرية لكسر هيمنة المؤسسة ومنظومة الفساد وملحقاتها وعناصرها إذا  نجحت في استعادة الاصطفاف الثوري الذي انتصرت به في يناير 2011 ، وأعتقد أن هذه هي الأولوية القصوى لمصر اليوم حتى لا تدخل في نفق الفساد والهيمنة والقمع والاستباحة من جديد لعقود طويلة مقبلة

بقلم  جمال سلطان

المصدر المصريون

.

التعليقات مغلقة.