إسبانيا .. سخط شعبي على الفساد!

الفساد في اسبانيا

في هذه الأيام, من العسير للغاية أن تجد من الأطفال الإسبان من يرغب أن يصبح رئيسا للبلاد, حيث ولأول مرة منذ تسع سنوات ينظر الأطفال إلى السياسة باعتبارها ضمن أقل المهن التي يطمحون للعمل فيها عندما يكبرون.

أظهر ذلك استطلاع للرأي نُشر في الآونة الأخيرة, والذي يوضح في نتائجه أن العلاقات المتطورة في المجتمع الإسباني لما يعتبره غالبية الإسبان مؤسسات وقيادة فاسدة بطبيعتها.

بيد أن موقف المجتمع من الفساد غير واضح المعالم، حيث أن الإسبان يعتبرون من أقل الشعوب بين نظرائهم الغربيين تورطا في الفساد, كالرشوة, وفقا لما ذكرته تقارير منظمة الشفافية الدولية على مدار سنوات, لكنهم يتسامحون مع ما يعتبره الغالبية ثقافة سياسية واقتصادية سيئة.

من الواضح أن مسلسل الفضائح المتورط فيه الأغنياء وأصحاب النفوذ في إسبانيا, بما فيهم أهم الأحزاب السياسية والعائلة المالكة وبنوك وشركات كبرى والقوات المسلحة بل وفرق رياضية, والذين يلجئون للغش لتحقيق ثراء لأنفسهم في ظل أسوأ عسر اقتصادي خلال عقود، بدأ يمس وترا حساسا في المجتمع, حيث يشير مزيج من الأبحاث وآراء الخبراء والعديد من الأدلة من توجهات الناخبين إلى أن تسامح الإسبان مع الفساد بدأ يضمر.

من جانبه, قال مانويل فيلوريا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ري خوان كارلوس الذي يبحث في الفساد “إن هناك عددا من العوامل التاريخية بل والثقافية تساعد في شرح سبب فساد العلاقة بين الموجودين في السلطة حتى لو كان الإسبان غير ذلك, فالإسبان في جوهرهم ليسوا فاسدين لكن هناك الكثير من الفساد على المستوى السياسي خاصة في الحكومات الإقليمية والمحلية”.

وفي هذا الصدد, أشار تحليل كيفي لمفهوم المجتمع عن الفساد نشره مركز الأبحاث الاجتماعية، وكالة حكومية مستقلة، في عام 2011 إلى “أن الفساد يتم التسامح معه أو قبوله من الإسبان باعتباره ممارسة عادية في السياسة”, مضيفا “إنها ظاهرة رأسية من أعلى إلى أسفل، لأن السلطة تعين على الفساد لكن الأخير يتغذى أيضاً من أسفل جراء سلوك متهاون من المواطنين مع الصور الصغيرة للفساد مثل التهرب الضريبي واستخدام العلاقات الشخصية لتحقيق مكاسب”.

كما أفادت عدد من الدراسات إلى أنه يتم التسامح مع الفساد والمحسوبية مقابل الدعم السياسي, خاصة عندما تتسرب الفوائد غير المشروعة إلى أسفل, وهذا لا يعني أن الإسبان يروقهم سير الأمور لكنهم لا يجدون دون ذلك سبيلا, وبعملهم هذا، يدعمون بغير قصد نظاماً يضرهم لا محالة على المدى البعيد.

وأوضح فيلوريا قائلا “تاريخيا لم تتم محاسبة المسئولين الفاسدين في الانتخابات, مما يدل على وجود معايير مزدوجة, فعندما يكون هناك أزمة فإننا نتوقع صرامة اسكندنافية في إشارة إلى دول شمال أوروبا التي تصنف دوما باعتبارها أكثر دول العالم شفافية”,مستدركا “لكن عندما يسير الاقتصاد بشكل جيد، يكون هناك القليل للغاية من الحماس والكثير من التسامح”.

وحسبما ذكر مؤشر شهر يوليو الصادر عن مركز الأبحاث الاجتماعية، ينظر الإسبان إلى الفساد والتزوير باعتبارهما ثاني أكبر مشكلة ملحة بعد البطالة، حيث تصل درجة القلق بشأن الفساد أكثر بمقدار ثلاثة أضعاف القلق الناجم عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في الشهور الإثني عشر الماضية.

في يوليو عام 2012، تم تصنيف الفساد باعتباره رابع أكبر مشكلة ملحة, لكن القلق لم يكن موجوداً في الأساس لما يزيد على عقد حتى عام 2009 عندما أمسكت أسوأ أزمة بزمام الأمور في إسبانيا, وفي الحقيقة، فمنذ بداية تسعينيات القرن الماضي, وهي فترة تدهور اقتصادي أيضاً, كان الفساد مصدر قلق كبير كما هو الحال الآن.

ويذكر عدد من الخبراء “أن الأمر لا يتعلق بوجود فساد أكبر الآن، لكن عدد القضايا الكبيرة للتربح الشخصي المتفشي أصاب وترا حساسا في ظل العسر الاقتصادي الذي يعاني منه ملايين الإسبان, مما أذكى عدم ثقة غير مسبوق في مؤسسات البلاد”.

جدير بالذكر أن المحاكم تحقق في هذه الأثناء مع صهر الملك خوان كارلوس ومع أكثر من مائة مسئول ورجل أعمال في حلقة فساد يعتقد أنها تدار من منطقة الأندلس التي يحكمها الحزب الاشتراكي ومع عدد من مدراء الشركات في قطاع الإنشاء بخاصة ومع زعماء إقليميين ووزراء من الحكومة.

كما يتورط في أفدح القضايا حزب الشعب الحاكم وكبار قياداته وصولا إلى رئيس الوزراء ماريانو راخوي, ويخضع أمين الخزانة السابق لحزب الشعب المعتقل حالياً للمحاكمة بسبب دوره في برنامج تم إجازته مؤسسيا للحصول على أموال نقدية بشكل غير مشروع من شركات إنشاء مقابل تعاقدات مع الدولة, كما استخدمت الأموال الفاسدة فيما بعد في الحملة الانتخابية وفي تقديم نفقات سخية وعلاوات نقدية للزعماء.

بدوره نفى السيد راخوي في البرلمان هذا الشهر ارتكاب حزب الشعب، أو أي أشخاص مخالفات, لكن راخوي تحميه قوة تصويتية متينة فاز بها في انتخابات نوفمبر عام 2011 عندما كانت يجري التحقيق في عدد من قضايا في الفساد في تمويل الحزب.

في ذات السياق, قال فرناندو خمينيث، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بابلو أولافيدا في أشبيلية، خبير في شئون الفساد، “إن إسبانيا ديمقراطية غير ناضجة, حيث لا يتعدى عمر ديمقراطيتها سوى 30 عاما ولم تطور ثقافة المسؤولية السياسية”.

وهناك دلائل رغم هذا على أن الإسبان طفح بهم الكيل من التسامح مع الفساد, حيث يوضح خمينيث”تشير دراسات سكانية أيضًا إلى أن الذين سئموا من الفساد يحظون بتعليم جيد وتتراوح أعمارهم بين 25 و 45 عامًا ويتمتعون بقدرة على التنظيم”, ومن المحتمل أن يتبنى زعماء البلاد المطالب الشعبية، وأن يقتصر عملهم على إجراء إصلاحات سطحية، مما يزيد الطين بلة وتفاقما.

موقع islamtoday.net

التعليقات مغلقة.