الفساد ما بين الإحاطة والانفلات

الفساد والانفلات

الفساد كلمة كبيرة المعنى والمفعول ومحبطة للهمة ومثبطة للضمير والعقول، الفساد سرطان فتاك يعيق التنمية بكل أنواعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وكل ما يخص بنية وحقوق الإنسان. فلا يمكن أن يكون هناك مرض يرهق المجتمع ببنيانه الفوقي والتحتي أكثر من آفة الفساد وسلبية انعكاساته تتعلق بمدى انتشار هذه الظاهرة أفقياً وشاقولياً والفترة الزمنية لنموها وتغلغلها.. وعلى الرغم من عالمية هذه الظاهرة والمحاولات الكبيرة التي بُذلت لعولمتها لتكون هدامة لكل القيم والأخلاقيات وضرب مصداقية الطوائف والأحزاب والأيديولوجيات عبر البعد بالممارسة الواقعية عن الإطار النظري، وذلك بإيقاظ وإشعال الغرائز المختلفة لتبرير ثقافات غربية غريبة عن المجتمعات الأخرى، وذلك عبر غزو ثقافي مبرمج ومدروس وفق برنامج زمني مخطط له سابقاً وعبر الأدوات التي تخدم هذا الغرض من فضائيات وتقنيات وتكنولوجيا وإنترنيت وأدوات التواصل الأخرى.

 وكل ذلك وفق المنظور التفوقي للدولة القائدة للعالم في إطار السيطرة الأحادية القطب، من أجل استمرار التفوق وجعل الدول النامية وغيرها سوقاً ومركزاً لتزويدها بالطاقة والمواد الأولية. وهي بذلك تنشر نَفَساً استهلاكياً غرائزياً غير عقلاني وفق تسهيلات من الأدوات التابعة لها في كل بلد، وكذلك تهيئة البلدان التي تهمها في مخطط قادم بتهشيم البنى المختلفة بواسطة الفساد وبفرض السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تريد، لتطبيق برامج اقتصادية بعيدة عن خصوصية هذه البلدان، ولتكون المدخل لتهديم ما وصلت إليه تنميتها من بنى بشرية ومادية.. المهم لدى الدول التي تعد نفسها قائدة العالم بقيادة الولايات المتحدة هو منع الدول النامية من الوصول إلى تنمية متطورة متوازنة مستقلة مستقرة من خلال استخدام مختلف الوسائل، وأهمها تشجيع الفساد وفرض السياسات والبرامج التي لا تناسب خصوصية البلدان التي تعج بالأشخاص والأدوات التي تتقاطع مصالحهم الخاصة مع السياسات المفروضة، فيضغطون لتغيير القوانين والتشريعات وإقامة الاتفاقات وفرض الرسوم والضرائب أو تقليلها حسب مصالحهم والقضاء على القطاعات الإنتاجية من أجل الأرباح الطائلة من الاحتكارات أو الأموال الناجمة عن الرشا.

إن تهشيم البنى المجتمعية وتدمير البنى التحتية وتشويه البنى الفوقية هي أهم الأدوات لتنفيذ السياسات التي تلبي مصالح الغرب وأدواته. وكان أهم مدخل للوصول إلى ذلك هو تعميم سياسات الفساد والإفساد وما ينجم عنها من سلبيات قاتلة للمجتمع. وإن اختلفت انعكاساته ما بين الفساد الكبير الذي حول جزءً كبيراً من الفائض ومن الحاجات الاقتصادية إلى مكتنزات هُرِّبت إلى الخارج أول الأزمة. واستمر جزء من الفاسدين بممارسة دورهم بتجارة الأزمات عبر إرهاب اقتصادي للحصول على أرباح على حساب جسم البلد ولو دمر، وعلى حساب لقمة عيش الشعب. وهو ما رأيناه في المضاربة بالدولار أو الدولرة وكذلك في الاحتكار المبرمج للمواد الاستهلاكية لرفع سعرها، وما ينجم عنه من نقص مستوى المعيشة وفقر مدقع. والفساد الصغير الذي أدى لاستفادة البعض من خلال وظيفتهم أو من خلال الرشا للحصول على أموال.. وكذلك من خلال ممارسة النشاط على مستوى الفرد أو المؤسسة أو منظومة الفساد الذي تكون نتائجه هائلة من خلال عمق انتشاره وأفقه. ويمكن أن نسميه الفساد المنظم أو الممتد الذي يؤثر على سلوك المؤسسات أو سلوك الأفراد على جميع مستويات النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهو الأخطر، وله ملامح تميزه عن غيره لأنه متجسد في بيئات ثقافية واجتماعية معينة. ولأنه غدا لأن يكون احتكارياً، إضافة إلى قوة المنظومة الداعمة والتي يواجه صعوبة في مواجهتها.

إن هذه التنظيمات الفاسدة التي عملت على نحو جماعي أو فردي أدت لنتائج خطيرة ومدمرة على كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وشوهت البنى وأدت لأمراض كثيرة.. أدت لشبه انهيار الطبقة الوسطى الحاملة الأساسية لتطور المجتمع والموازنة له من خلال زيادة الفقر والبطالة والاضطهاد والتهميش الاجتماعي.. وأدت لتكوُّن بُؤر اجتماعية جاهزة لأن تكون وقوداً وحاملاً، من خلال انتشار الأمراض الاجتماعية، كالمخدرات والدعارة والجريمة.

 وكذلك لم تستطع البنى الفوقية أن تنجو من تأثيرات الفساد الذي شوه الرياضة وحرف بوصلتها الحقيقية في البناء الأخلاقي الاجتماعي وتشجيع روح المنافسة والإبداع والمحبة والألفة، لتحل مكانها روح الإقصاء والعداوة والمحاباة والتعصبات اللاوطنية، أو من خلال تلميع وإظهار ما يسمى بنخب، وأغلبها عبارة عن بيادق كرتونية فارغة بان هُزالها فيما مر على البلاد.

 وحتى الفساد التوجيهي التعبوي للدراما ولخروج بعض ممن يدعون الدين عن تعاليمه وأصوله..كل هذا قسم المجتمع باتجاه صراع جديد هو المصالح، الناجم عن سياسات الفساد، قد حرف الصراع الطبقي باتجاه شاقولي بين الطبقات البرجوازية، وطغى على الصراع الطبقي مرحلياً باتجاه صراع المصالح والمحاصصات الاقتصادية. ولكن هذه القوى المتخندقة استمرت في استثمار الفقراء كواجهة ووقود في مواجهاتها، وأغلبها له أذرع خارجية.. إن التمركز الكبير للأموال السوداء جعل أصحابها يفرضون السياسات الاقتصادية ويضعون قوانين ويشلون أخرى. وأكبر أمثلة على ذلك عرقلة قوانين التنظيم العمراني في أغلب مناطق سورية، وخاصة السكن العشوائي من أجل ربح مليارات الدولارات من خلالها وعرقلة حل المشكلة عبر عرقلة عمل الجمعيات أو أي خطط حكومية. لذلك فالفساد هو وراء وجود العشوائيات ومناطق المخالفة. وكذلك عرقلوا التوسع الشاقولي للبناء. وكلنا راقب ما نجم عن المناطق العشوائية ذات الخدمات السيئة والظروف الصعبة. وكذلك قوانين الجمارك التي بواسطتها استفاد البعض من المليارات. وكذلك الفاسدون في هذه المؤسسة التي كانت طريقاً لعبور السلاح والمخدرات. ولا ننسى فرض قوانين تحابي أشخاصاً على حساب الوطن لاحتكار المواد أو لإقحام مؤسسات خدمية ذات خدمات سيئة وسلب المواطنين. وكذلك قتل القطاع العام، وبالتالي كل ذلك جعلنا نطالب بهيئة عليا للفساد فصدر مرسوم بتأليفها هيئة مستقلة تقام بدلاً من الرقابة التفتيش.

 إن استقلالية هذه الهيئة عن السلطة التشريعية والتنفيذية، أمر رائع، ولكن يجب أن تكون تابعة لمكتب برئاسة الجمهورية. وإن استمرار الرقابة والتفتيش التي كانت ذات قوة داعمة للفساد من خلال ضعف عملها وسوء كوادرها يضعنا أمام سؤال عن إمكان نجاح هذه الهيئة  بالأدوات الفاسدة نفسها. وبالتالي لابد من تغيير شامل بكوادر هذه الهيئة عبر انتقاء أشخاص ذوي كفاءة ونزاهة كبيرة. وكذلك لابد لنا من الاعتراف أننا لم نكن نعاني ضعفاً عاماً بالقوانين، وإنما نعاني ضعفاً في تنفيذها وتفعيلها. وبالتالي لابد من المتابعة في دور وفاعلية هذه الهيئة عبر دور علني فاعل وفق صلاحيات كبيرة وسلطات مطلقة.

 ونحن هنا لسنا بوارد الاجتثاث الذي لا مجال له، وإنما الإحاطة للردع. وبالتالي فإن تشكيل هذه الهيئة لا بد أن يترافق مع سياسة تعيينات إدارية تعتمد على الكفاءة. فيوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، بدل الاعتماد على المحسوبية والانتماءات اللاوطنية والرشا، وإصلاح القطاع العام وإعادة الدور القوي إلى الدولة في قيادة العجلة الاقتصادية وممارسة دورها التدخلي الكبير لمنع الاحتكار والحفاظ على سوية الأسعار ومنع التضخم. ومراجعة لأغلب السياسات الاقتصادية التي نفذها فريق الدردري، والتي استمرت على نحو أسو خلال الحكومة الحالية. ولا بد أن يتزامن ذلك مع سياسات مبرمجة لتثقيف شعبي كبير بأمور كثيرة تساند الدولة، وذلك بتكوين المواطن العارف لحقوقه المدافع عنها، وكذلك بتنشئته تنشئة سليمة عبر مؤسسات التنشئة الإعلامية والتعليمية والدينية تكرس قيماً وأخلاقيات تناسب مجتمعنا وتحافظ على متانة البنى. وينبغي أن لا ننسى دور الأسرة وتفعيل الحياة السياسية عبر فصل السلطات وتفعيل دور الأحزاب دون مواربة عبر قوانين ناظمة وضابطة.

موقع an-nour.com

التعليقات مغلقة.