الشباب الليبى حقل ألغام ، واسع مستتر

getty.libya_

طريق النزاهة – منصور الدرناوي

الحكومة الليبية تبدو منشغلة ، متورطة ، لاهية بعدة مشاكل يومية عاجلة .

لكنها لم تكتشف بعد أن تحت اقدامها حقل ألغام عميق يتسع كل يوم ، اسمه قطاع الشباب الليبى المستبعد من العملية السياسية . نصفهم من الثوار الحقيقيين الذين عادوا إلى أعمالهم ولا زالوا ينتظرون وعود الحكومات بتحقيق أهداف الثورة التى سلموها للسياسيين على طبق من ذهب . والنصف الآخر من الشباب الذين لا صوت لهم . لا أحد يسأل عنهم . بل تستهين بهم الحكومات المتعاقبة لأنهم لم يشاركوا فى حرب التحرير ميدانيا . ولم يبنوا حزبا مؤثرا، ولم يفجروا سيارة ، ولم يقتلوا مسؤلا كبيرا . ليس بعد !

ولعل الحقائق والملاحظات التالية تؤكد جسامة الخطر القادم ـ إذا لم يستشعر كبار القادة السياسيين حقل الألغام الذى لا يفصلهم عنه إلا حادث بسيط يكون هو القشة التى ستقصم نظام الحكم المتبلد المتراخى المتخوم . فقد نسى الحكام الحاليون أن القهر المتراكم على قلوب شباب بنغازى هو الذى أشعل الثورة . عندما قام أحد الشباب بملء سيارته الخاصة بأسطوانات الغاز ، وأضاف عليها بعض المتفجرات وانطلق بها كالسهم نحو باب معسكر الكتيبة . فانخلع الباب ، وتطاير الحديد ، وهرب حراس الحامية المخيفة فى كل إتجاه .

حاليا ، تنفلت أصوات الشباب يوميا عبر وسائل الإعلام الواسعة تنبه الغافلين ، وتصرخ : ” هل سيقوم النظام الليبى بتدارك الخطر ويغير من نفسه أم أنه سينتظر حتى يغيره الشباب ؟ ” شاب على تويتتر .

” أين هم الشباب فى القيادة الليبية السياسية ؟” شاب على فيس بوك .

ـ ” يجب أن يطبقوا قانون العزل السياسى دون مراوغة . الحكومة تحتقر وتمتهن الشباب والثوار . لابد أن تحاورهم . وتصل معهم إلى حل توافقى لكيفية إدارة الدولة . وتشركهم فى صنع القرار ات . وتفعل مساهمة القوى الوطنية وهيئات المجتمع المدنى واعيان وشيوخ البلد ، فى الوصول إلى سياسة ترضى الجميع وتضمن سلامة الوطن . بل لابدة وأن يعقد لهذا الغرض مؤتمر وطنى يضم كل هذه القوى . ويتم فيه تاسيس مجلس للشورى وإنشاء حكومة توافق وطنى من أناس ليس لهم أى إنتماء حزبى .” د ـ إبراهيم محمد أبو شيمة . ناشط سياسى ومعارض سابق .

ولا زال الكتاب الشباب ينادون يوميا :

ـ ” يجب تثبيت المحاسبة السياسية وعدم إحتكار السلطة … وضمان الحريات العامة وتوطيد مشاركة الشعب فى صناعة القرارات المهمة ، بالدستور” .

ـ ” يجب على المؤتمر أن يصر على محاسبة المسؤلين على التصريحات والوعود الكاذبة . ويحارب تبنى السياسات والإجراءات الفجة الغير مدروسة التى أدت إلى غياب الأمن والأمان والفشل فى السيطرة على السلاح والمليشيات. وتسلط بعض الجماعات وتدخلها فى فرض عدة قوانين ولوائح . وتأخر خطة المصالحة الوطنية . وتشجيع الأفكار المعوجة التى سمحت بتقوية الجهوية والقبلية وتهميش العديد من المناطق التى تحس بالظلم”.

ـ ” الحكومات الليبية لم تستوعب بعد المعنى العميق المثير لبعض الأرقام العالمية:

البطالة تجاوزت 30% من أعداد الشباب . خاصة فى السن بين 15 ـ و 24 سنة .

ـ ” النظم التعليمية معاقة بإنخفاض الجودة ، وإنعدام الموضوعية ، واللامساواة.

لقد تبين أن 90% من طلاب الإعدادية حصلوا على أقل من الحد الأدنى للدرجات

لأن المدرسين لم يتلقوا التدريب المناسب . والتركيز على التلقين ، أكثر من التفكير . ” (مؤسسة بروكينقز) . هذه الأرقام حصلنا عليها من أحد الشباب الذين يواكبون تطور التعليم ، خاصة المهنى ، فى الدول النامية .

وماذا عن الفساد ؟ الصداع النصفى الدائم لكل المراقبين فى ليبيا ؟

ـ جاء فى صحيفة ( تريبولى بوست) : ” فضائح الفساد التى جاءت على ألسنة رجال الحكومات الليبية أنفسهم أظهرت أمرين : 1ـ عجز النظام عن مكافحة الفساد كذلك 2ـ إنتشار ثقافة الفساد التى عبر عنها إبراهيم بالخير ، رئيس مكتب المتابعة المالية قائلا: لأن المسؤلين تعودوا على الفساد ، لا يبدوا لهم الفساد فعلا فسادا جادا.”. ولعل إستقالة الوزيرة المساعدة ، عواطف الطشانى ، بسبب تفشى الفساد فى الوزارة والمقاومة االتى واجهتها فى سبيل محاولتها فضح ذلك الفساد ، لهو دليل دامغ ، لما ينتشر من مظاهر مماثلة فى الدوائر الحكومية المختلفة”.

ـ يصرخ الشاب منصور البرانى ” لماذا لم تنصاع الحكومة لنصيحة منظمة (قلوبال ويتنس) المتخصصة فى محاربة الفساد باتباع النهج التالى :

نشر عقود النفط والغاز بصورة شفافة ، التعاون مع مؤسسات المحاسبة الدولية لتطوير أساليب المحاسبة والمتابعة المالية فى المؤسسة الوطنية للنفط . ثم تبنى مبادىء الشفافية بكل وضوح فى الدستور وتعلن إصرارها على تطبيقها فى العقود المستقبلية مع الشركات النفطية الدولية .”

ـ إتضح لأحد الصحفيين الليبيين الشباب الذين إتصلوا بالمؤسسة الوطنية للنفط وبالمؤتمر الوطنى أنهما يتجاهلان ، أو يخالفان عمدا ، مبادىء الشفافية التى أعلنت عنها الحكومات السابقة كلها أكثر من مائة مرة ! لكنها ربما تعتبرها تصريحات جوفاء للإستهلاك المحلى فقط ، كما يقولون .

ـ يقول الصحفى (شيتان بينتوـ بصحيفة ليبيا هيرالد):” إن توزيع الأموال على الناس دون الإصرار على خلق عمالة ذات جودة ، سيؤدى فقط إلى تضخيم الاقتصاد . بل يجب التركيز على التدريب ، إستعمال معايير محددة فى التوظيف ـ مبنية على مسابقات واختبارات مصممة لإختيار المتقدمين الصالحين للعمل ، مع إستعمال قدرات الكومبيوتر والانترنت وبرامج التدريب عبر الفيديو التى يمكن أن تطور جهود ليبيا كثيرا فى هذا المجال .”

ـ ” حتى عندما يوجه المرشحون لوظائفهم الجديدة لا يلتحقون بمقار أعمالهم ، بينما يستمرون فى صرف مرتباتهم شهريا . كما أن بعضهم ينتسب لوظيفتين فى نفس الوقت ويتسلم راتبين !”. فايز العبيدى ، مدير فرع القوى العاملة ، بنغازى .

ـ السؤال البديهى هنا : لماذا لم يوقف هؤلاء عن العمل ويطبق عليهم نظام أو قانون العمل المعمول به ؟ أليس هذا تقصيرا عجيبا من الوزارة المعنية ؟

بل يؤكد الشباب الآن إن هذه محاولة لشراء ضمائر هذه الفئة وتوسيع عدوى الفساد ـ عمدا .

ـ يقول أحد الشباب من منطقة اجدابيا ، وهو موسى المغربى : ” إن 70 % من الشباب فى منطقة برقة ، شرقى ليبيا ، لم يجدوا عملا مناسبا لهم فأنتسبوا للمليشيات ” والتى تمنحهم رواتب مجزية ومزايا وسلطة غير عادية .

قليل من المسؤلين سيصدقون أن ما تقدم صادر فعلا عن الشباب أنفسهم . لأنهم لا يصدقون فى باطن أنفسهم قدرة الشباب على هذا المستوى من التفكير والإهتمام بالشؤون العامة . لأنهم يروهم غالبا فى صور نمطية تسهل على المسؤلين تجاهل حقل الألغام . حقل الألغام الذى بدأنا به هذا الحديث الصريح المستكشف لما تحت السطح . وإذ تبدو هذه القائمة طويلة لبعضكم فتذكروا أنها سجل لما حفظه الشباب الصادق الصامت منذ 17-2-2011 .

هل هذا كل ما يثقل كاهل الشباب وقلوبهم ؟ كلا يا سادة . وتعالوا نسمع المزيد من أصواتهم . إذا كنا حقا نقدر قيمة هذه الشريحة الخطيرة المنسية . فما يزال المزيد من الهموم عالقا بذاكرة المتتبعين الصادقين لمسيرة الإخفاقات الحكومية المتواصلة :

ـ “الصمت على المحسوبية والرشوة والفساد الإدارى فى مجال التوظيف فى كل

الدوائر العامة والخاصة .”

ـ صعوبة الحصول على السكن بسعر مناسب وإرتفاع نسبة غلاء المعيشة .

ـ الديموقراطية الناقصة التى يتلاعب بها السياسيون .

ـ الحاجة إلى المشاركة فى القرارات المتخذة بعدما سلموا الأمر طويلا للحكام .

ـ إهدار المال العام ترضية للفئات النافذة والمليشيات والعلاوات الاجتماعية الغير مقننة وعلاج الجرحى وغيره بالخارج دون وضع الضوابط المالية والادارية والمحاسبية الضرورية . حتى استنكر مصطفى الساقزلى ، مدير عام هيئة شؤون المحاربين ، قيام الحكومة بإنفاق أكثر من 900 مليون دينار على منتسبى الدروع ـ دون وضع المعايير المقننة لتوزيعها ، فقامت الدروع بمنحها للمجندين بطريقة عشوائية لا تخدم عملية دمج الثوار فى مؤسسات الدولة .” وقال إن هذه الطرق فى التعامل مع الثوار ستسبب المزيد من الفوضى والنزاعات وانتشار السلاح . ( أخبار بنغازى )

ـ أيها السادة الحكام فى ليبيا : إذا نسيتم كل ما تقدم ـ فيجب ألا تنسوا : الشباب يريد الإعتراف به كعنصر مهم وفاعل ومشارك فى القرارات الرئيسية . لا مجرد رقم لا يعبأ به أحد . حتى وإن كان كبيرا . إن الصورة النمطية للشباب ، أيها المواطنون الصادقون ، تولد الإحباط وتقتل الثقة فى القيادة التى لم تحقق أهم أهدافها النهائية : الأمن . العدالة . الديموقراطية المقنعة الفاعلة .

التعليقات مغلقة.