العصر الذهبى للفساد فى ليبيا

ليبيا-البقر-الحلوب-للفساد

لطريق النزاهة

بقلم : منصور الدرناوى

كتب أحد كبار المفسدين لشريكه : إذا كنت ذا خبرة فى استغلال النظام الحكومى القاصر ، لتكسب الملايين بجهد محدود ، فلا تحتار مطلقا فى تحديد منطقة عملياتك الواعدة القادمة : إنها ليبيا . فهنا ، تجد كل ما تحتاجه من مقومات النجاح متوفرة :

ـ القيادة العليا المبعثرة ، المتصادمة ، التى فقدت البوصلة وخطة الطريق .

ـ القيادات الادارية والمالية الوسطى التى تجلس وسط شبكة متشعبة من مصادر المال العام المفتوحة على مصراعيها والتى يوزعها المسؤلون يمينا ويسارا دون رقيب .

ـ النظام المحاسبى المشلول الذى يوفر أعظم الفرص لإساءة استعمال المال العام المبعثر دون سجلات إستلام أو تسليم أومتابعة بسيطة ولو أوراقا داخلية مؤقتة !

ولعل نظرة واحدة إلى تقارير ديوان المحاسبة تكفيك لتقف على الشقوق الكبيرة فى النظام المالى التى تستطيع إبتلاع الملايين فى أيام معدودة !

ـ الميزانيات السنوية التى تزداد حجما بنسب مهولة ، وتقل الرقابة عليها ، وتنتهى مخصصاتها دون أن تستطيع لها حصرا أو تحديدا لمسؤلية الراصد أوالصارف أوالمستفيد : سوق شعبية ، مليئة برجال القطاع العام الأكثر عددا مما يتطلبه العمل وذوى الاختصاصات المتشابكة المتضاربة يقومون بأعمال دون هياكل تنظيمية .

ـ هذه السوق الشعبية المفتوحة الغير منظمة تبدأ من المجالس المحلية فصاعدا . نعم : يجب أن نعترف . لقد صدق كبير المفسدين . وهو مراقب حريف للشأن الليبى . والأمثلة كثيرة ،متعددة:

ـ ولعل ملف العلاج فى الخارج (للثوار وأشباه الثوار وأقارب الثوار ومن لحق بالثوار من المدنيين والعسكريين الذين لا زالوا يتلقون العلاج حسب نفس الملف المتضاخم شهرا بعد شهر ، لابد أن يكون أحد أسوأ ما خلق الله من صور التبذير والفساد والضياع والإهدار الواسع المفضوح الذى سيشهد الله عليه والناس قريبا جدا . عندما يستيقظ الشعب والمسؤلون الشرفاء والمتابعون ممن لا يخافون إلا الله). ربما بعد أن تدفع ليبيا مصاريف علاج حتى حفيد المريض الذى يولد خارج ليبيا خلال فترة علاج جده فى الخارج). حسبنا الله ونعم الوكيل ! مال سائب . دون رقيب . وغياب الضمير . وكثرة المفسدين ، من قديمين وجديدين وفروعهما الكثيرة . والحكومة والمؤتمر لا قدرة لهما ، و لا وقت لديهما ، ولا نظام يحكم عملهما . وهما منشغلان متورطان مأخوذان بمشاكلهم اليومية التى لا تتوقف ، ولن تتوقف . بسبب كان سببا . وصار الآن نتيجة ! غياب الخطة العاقلة …… وتستمر الحكاية !

ـ يصاب الإنسان بالدوار والإحباط والندم عندما يسمع عن فساد تمويل المجموعات المسلحة التى تحمى الحكومة ، وتحمى مصالح الفئات الدينية وغير الدينية وكبار المتنفذين والقبائل والنعرات الجهوية . وقليلة هى المجموعات المسلحة التى تحمى الشعب ومصالح الشعب وتوفر له الحد الأدنى من الأمن والأمان .

ـ بعض العلامات على الطريق جاءت بها مؤخرا وكالة أنباء (أسسوسييتيد بريس): فتقول :

ـ “إقتصاد ليبيا مشتت . فالبطالة التى يقال رسميا إنها 15بالمائة يجرى تقديرها حقيقة بـ 50 بالمائة . القطاع الخاص لا يكاد يعمل . أغلب الاستثمار فى إعادة البناء لا زال معطلا . والحكومة توزع أكثر دخلها لإسكات سخط الناس تماما كما كان يفعل القذافى ! وينتهى الباقى من دخول النفط ليغذى التوسع فى أعداد المليشيات التى تستعمل لحماية النظام بسبب الفشل فى بناء الجيش والشرطة. فزاد إنخراط الشباب فى الميليشيات التى تصل إلى 200 ألف مجند .

ـ يشتكى أحد رجال الأعمال من ضياع موضفيه الذين يفضلون العمل بالميليشيات:

” أحد أحسن الموظفين العاملين معى ترك العمل لأنه تلقى عرضا أحسن من إحدى المليشيات التى تعطيه ثلاثة أمثال راتبه ويعمل معها لأربعة أيام فقط ثم يستريح لمدة أسبوع ! “.

ـ ويقال إن الميليشيا التى يراسها وسام بن حميد وحدها تصل الآن إلى 13000 مجند!

ـ يضيف أحد رجال الأعمال معلقا على هذا التوسع:” إن ظاهرة الميليشيات تجر البلاد إلى إتجاه آخر مغاير . وهم لديهم السلطة والمال . إلى جانب معتقداتهم وولاءاتهم المختلفة . وهم سيوسعون حتما مجال تأثيرهم . وهذا يعنى مزيدا من الأموال كذلك . وعندما يحين الوقت للسيطرة على السلطة ، سيكون هناك صراع ” .

ـ أما أحد الاقتصاديين الليبيين ذوى الخبرة فيقدر أن الحكومة صرفت بليون دولار على المليشيات خلال سنة 2012 . وأن مرتب مجند الميليشيا يتراوح بين 400 دولار إلى 2300 دولار شهريا … أى أن الحكومة تمول من يهدد نظامها ويزيد أعداد المخالفين للقانون .

ـ ” ويستمر الوضع الفاسد فى توسيع التوظيف فى القطاع العام الذى سار عليه القذافى الذى كان يشترى ولاء الناس بالمال . فقد زادت أعداد موظفى الحكومة حتى بلغت مليون ونصف موظف . فى بلد لا يزيد سكانه عن 6 مليون . وبلغت ميزانية رواتبهم 15 بليون خلال سنة 2012ـ بزيادة 6 بليون عن 2010. ” عن رئيس لجنة الميزانية بالمؤتمر الوطنى .

ـ يجمل د ـ ناجى جمعة بركات ، وزير الصحة السابق أخطاء الحكم الحالى ، فيحددها هكذا :

1- الخروج عن خارطة الطريق حسب الاعلان الدستورى .

2- التصارع بين الاسلاميين والليبيراليين وغيرهم حول المصالح التى لا تضع الوطن أولا .

3- التسرع فى صرف المنح او الاعلان عنها ـ ليسكت النقد لأخطاء المؤتمر .

4- الغياب الكثير لرئيس المؤتمر عن أعماله رغم أنه ليس رئيس دولة .

5- التدخل فى قرارات الحكومة ووجودشرخ بينه وبينها .

6- ضعف أداء الأعضاء نتيجة عدم الخبرة السياسية والبرلمانية ودون تدريب متخصص .

7- تجاوزه فى صرف رواتب الأعضاء وهى : راتب أساسى حتى 16000 تقريبا ـ 4000 بدل سيارة ـ 2500 بدل سكن ـ 600 كروت هواتف . علما أنهم استلموا سلفة 30000 بدل سكن و 45000 بدل سيارة !!!!

8- إصدار قرارات ومناقشة مواضيع عديدة قبل إصدار الدستور .

9- إخفاقات اللجان داخل المؤتمر فى تتبع ملفات الحكومة ومساءلتها .

10- رئاسة المؤتمر تتصرف بعدة أشياء دون الرجوع إلى الأعضاء .

المستقبل

هنا يسأل المراقب نفسه : كيف يا ترى يقيس الشعب التقدم الذى حققته

كل الحكومات ـ والمؤتمر الوطنى المنتخب منذ تثبيت الثورة ـ وحتى الآن ؟

الجواب : ضجيج عال كبير ، وإنتاج فعلى قليل . وهاهى الحصيلة : ( د ـ ناجى بركات):

ـ غياب الأمن والاستقرار . والفشل فى السيطرة على المليشيات والسلاح الفردى .

ـ عدم حماية الحدود بشكل كاف ـ تسلط بعض الجماعات وتدخلها فى فرض عدة لوائح وقوانين ـ البطء فى تنفيذ المصالحة الوطنية . هذا موجز محدود فقط . والآن ؟ أين نتجه ؟

كيف تبدو هذه الحصيلة مقارنة بتوقعات الشعب من ثورة 17 فبراير ؟

يكفينا أن نقرأ رسالة مثقف ليبى واحد ممن علقوا آمال العمر كلها على الثورة :

” الأستاذ رئيس التحرير . رجاء بلغ هذه الرسالة إلى السيد رئيس المؤتمر الوطنى :

لقد فقدنا الثقة فى مؤسستكم التى إنتخبناها لتحول 17 فبراير من ثورة إلى دولة حقيقية .

لقد أضعتم الخارطة وأهدرتم المال العام وأعدتم الخوف إلى القلوب نتيجة إنعدام الأمن والأمان.

وخربتم الاقتصاد ووسعتم البطالة وحافظتم على الفساد القديم ، بل وأضفتم إليه الكثير . نحن ندعو الله من القلب ألا يضطر هذا الشعب الطيب إلى اللجوء إلى المليشيات نفسها ليتخلص من وضع سياسى فاشل مريب لا يبشر بتحسن يمكن قياسه . فى المستقبل المنظور . فالشعب لا يستطيع أن ينتظر وقوع الطامة لا قدر الله ، أى حتى وصول المليشيات الخارجية الدينية المتطرفة من النوع الذى يكاد يسيطر الآن على الثورة السورية نفسها . د ـ حامد غفير.”

التعليقات مغلقة.