خلف الفساد والعنف والإرهاب ربيع..أم خراب عربي ؟

الربيع العربي2

بعد أكثر من سنتين على ما يسمى بالربيع العربي، لم يخرج الأشقاء في مصر وسوريا وليبيا وتونس، وحتى العراق، من الفوضى الخلاقة، ومن الصراعات والخلافات والقلاقل التي أوصلتهم إلى مرحلة استعمال السلاح لترجيح كفة النزاع. الصور التي كان يستبشر بها ربيعا زاهرا منتعشا بوروده وبأفعال حضارية سلمية، تحوّلت إلى خريف تتناثر فيه أوراق الدم والخوف، وما يحدث من مآسي هنا وهناك، لايبعث على الارتياح والاطمئنان، خاصة عندما يصبح جزء من الشعب ضد الجزء الآخر من الشعب في البلد الواحد. كنا نحسب أن عصر الدماء والدموع قد ولّى إلى غير رجعة مع طيّ صفحة الاحتشادات والمسيرات والاعتصامات، وكنا نظن أن ما كان يوصف بعصر الاستبداد والظلم والقهر، قد دفن مع أنظمته المنهارة على وقع كلمة «إرحل»التي التفّت حولها الأطياف، ولكننا نفاجأ اليوم بما يحدث في هذه البلدان العربية من تدمير وتفجير وتكفير وتهديد بالتغيير، والحديث عن الحرب الأهلية، سواء كمؤشرات، أو للتهويل من أجل تمرير وفرض مخططات لم تحـظ بالتوافق. هل من الربيع أن يستمر الاقتتال في ليبيا، وتستيقظ الفتنة في تونس، وتعمّ الفوضى الدامية في مصر، ويتواصل الدمار والخراب في سوريا، ويتحاور العراقيون بالسلاح ويحيون بعضهم بالتفجيرات ويتنابزون بالألقاب والطائفيات ؟ ..وهل من الربيع أن تنتشر روائح الأموات والإجرام في الشوارع والأحياء ويقتحم الرعب القلوب وتسكن الأحزان البيت، ويحطم الوطن الذي لا يوجد له بديلا ؟..وهل من الربيع أن تواجه التحديات التنموية بالعنف والكلام، وشلّ قطاعات الإنتاج واستهداف مصادر الدخل الوطني، والعبث بمقدرات البلد ونهب خيراته، ليعم الفقر والسرقة والجريمة المنظمة..؟ فبعد الملل من أخبار الاغتيالات والتفجيرات واحتلال الوزارات، وبعد الملل من كثرة تنظيم الاحتشادات على حساب العمل المنتج والجلوس إلى طاولة الحوار واستعراض القوة بالمليونيات ورفع الشعارات في الساحات تحت عناوين مختلفة، نتأمل دوافعها ونحاول أن نبرر وجودها، ليتساءل العقلاء وأصحاب الضمائر الحية..هل هذه رسالة الربيع العربي المبشر بها ؟..وهل يمكن التخلص من الاستبداد الفردي بالاستبداد الجماعي تحت أي غطاء كان ؟، ومن الظلم السياسي بالظلم الحزبي ؟ أو إحلال الطغيان الطائفي محل الطغيان الحزبي؟. بعيدا عن الخلفيات السياسية والانتخابية، وبعيدا عن الحكايات والاتهامات المتبادلة، التي لن تنتهي بين النظام والمعارضة ‘ وبعيدا عن ديكتاتورية الفرد المختفي وراء شرعية الجماعة التي تغطي غابة تقنين الحقرة والإقصاء والفساد التي تحملها الكثير من الأخبار الواردة..هاهم الغلابة يدفعون الثمن بالنفس والنفيس، وتكون حياتهم مقابل صراعات سياسية وشخصية، لا علاقة لها بالمطالب الشرعية والمشروعة لغالبية المتظاهرين والمحتجين الذين آمنوا بتغيير أحوالهم بديمقراطية منفتحة على حياتهم اليومية و بأفعال ملموسة لا مجرد كلام. في تقريرها الأخير، سجلت منظمة العفو الدولية أن الفساد ازداد في معظم الدول العربية، منذ انتفاضات الربيع العربي عام2011، رغم أن الغضب على فساد المسؤولين كان السبب الرئيسي في اندلاعها في تلك الدول، وحتى في دول أخرى سارعت باتّخاذ إجراءات احترازية حتى لاينتقل إليها الربيع. حسب الاستطلاع الذي أجرته المنظمة، فإن غالبية المشاركين فيه، يؤكدون أن مستوى الفساد زاد خلال العامين الماضيين، سواء في الدول التي شهدت انتفاضات الربيع العربي أو حتى في دول أخرى بنسب متفاوتة، ولم تتمكن رزنامة الإجراءات المتّخذة تحت ضغط الشارع من إحراز التقدم في بعض الدول لانعدام الكفاءات والخبرات اللازمتين في المرحلة الانتقالية وهيمنة السياسية على المشهد العام. وأوضحت المنظمة أن استطلاعها شمل عينة عشوائية ضمت أكثر من 114 ألف شخص في 107 دول بالعالم، من بينهم عشرة آلاف شخص في 13 دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيـث سألتهم عن الفساد المالي في دولهم خلال الفترة الممتدة ما بين شهر سبتمبر 2012 إلى غاية شهر فيفري الماضي. يؤكّد التقرير أن أكثر من نصف المستجوبين في العالم يعتبرون أن الفساد تفاقم، حيث يشير27 بالمائة أنهم يدفعون الرشوة للاستفادة من الخدمات العامة، وأن الأحزاب السياسية أكثر المؤسسات فسادا، فيما رأى 55 بالمائة من المشاركين أن عمل الحكومة خاضع لمصالح خاصة. وعلى ضوء النتائج المتوصل إليها في مصر، قال 64 بالمائة من المستجوبين أن الفساد ازداد مقارنة بما كان عليه، وبلغت النسبة 80 بالمائة في تونس، لتسجّل الاستثناء الوحيد في ليبيا عندما قال 46 بالمائة أن البلاد أصبحت أكثر فسادا. منظمة العفو الدولية التي تدرس المؤشرات الثلاث، المتعلّقة بمؤشر الفساد ومؤشر الرشوة ومقياس الفساد العالمي، تقيس هذا الأخير عبر انطباعات المواطنين حول الفساد وتأثيره في حياتهم اليومية وتجاربهم الشخصية في تقديم الرشوة، بالإضافة إلى قياس مدى انخراطهم في مكافحة الفساد، بينما يعتمد المؤشران الآخرين على رأي الخبراء في الدول المستهدفة. بالنسبة لمدير الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منـظمة العفو الدولية، كريستوف ويلك، إن الشرطة والقضاء والأحزاب السياسية في الدول العربية بحاجة إلى إصلاح حتى تكسب ثقة المواطنين. بدورها، صرّحت أوججيت لابيل، رئيسة منظمة امنيستى، أنه على الدول أن تتعامل بجدية مع الأصوات المرتفعة ضد الفساد واتّخاذ إجراءات ملموسة لتعزيز الشفافية والضغط، كي يحاسب المواطنون الإدارة التي ما تزال في قفص الاتهام خاصة تلك التي تخضع إلى مسيّرين سياسيين عن طريق الانتخابات التي لم تنضج رهاناتها الحقيقية في بعض الدول. كما أوصت المنظمة المسؤولين السياسيين بالكشف عن التصريحات بممتلكاتهم وأملاك عائلاتهم علنا، مشدّدة على ضرورة أن تصرح التشكيلات السياسية عن موارد تمويلها وعائداتها بما يكشف بوضوح من يموّلها ويبرز احتمال تضارب المصالح التي تشجع على الفساد واستمراريته في شكل شبكات منظمة، وهو ما يعد أمرا خطيرا. ليت الأمر يتوقف عند الفساد فقط،بل صار ينبئ بمخاوف قد تعصف بالدول نفسها، مثلما يؤكّد الخبير الأمريكي جون ماكلولين، في موضوع نشره على شبكة «سي أن أن»، الأمريكية مؤخرا، على أن الظروف التي عرفتها منطقة شمال إفريقيا، أو ما يعرف بالربيع العربي، وما انجرّ عنها من حكومات غير قادرة على بسط سلطتها كما يحدث في ليبيا من جهة، ووجود جغرافيا صعبة شاسعة من جهة أخرى، عزّز من تواجد الجماعات الإسلامية حيث صارت تشكل منطقة الساحل، حسب الخبير-»رمزا للحرية الكبيرة» التي أصبحت الجماعات الإرهابية تتمتع بها، وظهر ذلك جليا، من خلال تمكن الزعيم المنشق عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، مختار بلمختار، من استخدام شبكات الدعم المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة بهدف جمع الأسلحة من جهة، وتجنيد مقاتلين من تونس، ليبيا، مصر، الجزائر، نيجيريا وموريتانيا من جهة أخرى. الخبير الذي شغل منصب ضابط في وكالة المخابرات المركزية، يعتبر أنه ليس من باب الصدفة أن أكبر الهجمات التي نفذت خلال الأشهر الأخيرة، وقعت في هذه المنطقة بداية من الهجوم على القاعدة الأمريكية في بنغازي بليبيا، ومن ثم الهجوم على محطة للغاز الطبيعي بـ«تيقنتورين»، كاشفا عن حجم التهديد الذي يواجه البلدان الواقعة في الساحل الإفريقي، وتضاف إليه قضية استغلال الانقسام السياسي السائد اليوم في تونس بين الأحزاب العلمانية المعارضة، والحزب الإسلامي الحاكم، ليحرجهم دعاة الحركة السلفية بإعلان الحرب في الجبال، على الحكم. عندما تتقدم مثل هذه المنظمات بإملاءاتها وتملي توجهاتها، ويضع خبراؤهم سيناريوهات لأفق أسود حول تردي الأوضاع الأمنية وتنامي الإرهاب، فإنه يحق الآن للغرب أن يمد رجليه وينام قرير العين مطمئنا على مستقبله وماضيه ومصالحه، فالعرب والمسلمون غرقوا في مستنقع الفتنة والاقتتال، وغرقوا في إبعاد التغيير عن دائرة العنف اللفظي وتحويله إلى برامج عمل تخدم المصالح الحقيقية للمواطن في العيش الآمن والكريم والمطمئن على حاضر ومستقبل أبنائه. نحن ندرك بكل واقعية أن عملية التحول الشعبي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي من نظام الرأي الواحد والحزب الواحد والزعيم الواحد، إلى نظام تعددي تنطلق فيه الألسنة بعد التكميم، ويسود فيه الضياء بعد التعتيم، ليس بالأمر الهيّن، ويتطلب جهودا مضنية كي تستقر الأمور ويتجاوز الجميع عهد الصدمة إلى تحقيق عظائم الأمور في التقدم والتطور على أساس مشاريع مجتمع تحظى بالتوافق بيت كل مكونات المجتمع. مثلما ندرك أيضا، أنه كلما تستعد إحدى دول الربيع لخوض معركة الاستقرار الديمقراطي، بتنظيم الاستفتاء على الدستور والانتقال إلى تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، تنبري بعض الأطراف، وممن كان لها دورا في الإطاحة بنظام الحكم السابق لإفساد العرس وتهديد الاستقرار، وعدم القبول بالتعايش مع المخالفين في محاولة الاستفراد بنتائج «الثورة»واحتكارها بلباس إيديولوجي معين يحمل بوادر توجهات الإقصاء والهيمنة . إن الإيمان بالربيع الحقيقي، هوالايمان بالوطن ومصلحته فوق الجميع ..قد نختلف في طريقة حبه، لكن لن نفرط فيه ويجب أن يسع الجميع، وهاجس النهوض من كبوته ووضعه على سكة الاستقرار واستعادة الثقة في تنميته وسياسته وبناء المستقبل، يجب أن يسكن الجميع، فتمتد الأيدي وتتوحد الرؤى لتتصالح، بعد أن تتصارح ويتصافح الكل من أجل البلد، فالأحزاب قد تزول وقد تتغير، لكن البقاء للوطن الذي يسع كل أبنائه، بكل خلافاتهم ومعتقداتهم، ولنا في تاريخ وتجارب بعض الدول والشعوب أمثلة. حية.

أحمد فلاح

موقع elmihwar.com

التعليقات مغلقة.